الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

110

تفسير روح البيان

وترك الجد قال في تاج المصادر الا دهان مداهنت كردن . والتركيب يدل على لين وسهولة وقلة والمعنى أحبوا لو تلاينهم وتسامحهم في بعض الأمور وترك الدعوة فَيُدْهِنُونَ اى فهم يداهنونك حينئذ بترك الطعن ( كما قال الكاشفي ) فرمان مبر مشركان مكة را كه ترا بدين آباء دعوت مىنمايند ودوست مىدارند كه تو نرمى كنى با ايشان وسرزنشى نكنى بر شرك تا ايشان نير چرب ونرمى كنند وبر دين تو طعنه نزنند . فالفاء للعطف على تدهن فيكون يدهنون داخلا في حيزلو ولذا لم ينصب يدهنون بسقوط النون جوابا للتمنى والفعل للاستقبال أو الفاء للسببية فهو مسبب عن تدهن ويجوز أن يكون الفعل للحال على معنى ودوا ادهانك فهم الان يدهنون طمعا في ادهانك فالتسبب عن التمني وتقدير المبتدأ لأنه لولاه لكان الفعل منصوبا لاقتضاء التسبب عما في حيز التمني ذلك قال بعضهم لا توافقهم في الظاهر كما لا توافقهم في الباطن فان موافقة الظاهر اثر موافقة الباطن وكذا المخالفة والا كان نفاقا سريع الزوال ومصانعة وشيكة الانقصاء وأما هم فلانهما كهم في الرذائل وتعمقهم في التلون والاختلاف لتشعب أهوائهم وتفرق أمانيهم يصانعون ويضمون تلك الرذيلة إلى رذيلتهم طمعا في مداهنتك معهم ومصانعتك إياهم قال بعضهم المداهنة بيع الدين بالدنيا فهي من السيئات والمداراة بيع الدنيا بالدين فهي من الحسنات ويقال الادهان الملاينة لمن لا ينبغي له ذلك وهو لا ينافي الأمر بالمداراة كما قال عليه السلام أمرت بمداراة الناس كما أمرت بالتبليغ قال الامام الغزالي رحمه اللّه في احياء الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الإغضاء فان اغضيت للأمة دينك ولما ترى فيه من إصلاح أخيك بالإغضاء فأنت مدار وان اغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن قال أبو الدرداء رضى اللّه عنه إنا لنبش في وجوه أقوام وان قلوبنا لتلعنهم وهذا معنى المداراة وهو مع من يخلف شره وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ كثير الحلف في الحق والباطل لجهله حرمة اليمين وعدم مبالاته من الحنث لسوء عقيدته وتقديم هذا الوصف على سائر الأوصاف الزاجرة عن الطاعة لكونه أدخل في الزجر قال في الكشاف وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف ومثله قوله تعالى ولا تجعلوا اللّه عرضة لأيمانكم انتهى ودخل فيه الحلف بغير اللّه تعالى فإنه من الكبائر وأصل الحلف اليمين الذي يأخذ بعضهم من بعض بها الحلف اى العهد ثم عبربه عن كل يمين مَهِينٍ حقير الرأي والتدبير لأنه لم يعرف عظمة اللّه ولذا اقدم على كثرته الحلف من المهانة وهي القلة والحقارة ويجوز أن يراد به الكذاب لأنه حقير عند الناس هَمَّازٍ عياب طعان يعنى عيب كننده در عقب مردم يا طعنه زننده در روى با ايشان . قال الحسن رحمه اللّه يلوى شدقيه في اقفية الناس وفيه إشارة إلى من يعيب ويطعن في أهل الحق في رياضاتهم ومجاهداتهم وإنزوائهم وعزلتهم عن الناس ( وفي الحديث لا يكون المؤمن طعانا ولا لعانا ) وفي حديث آخر ( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ) يعنى من ينظر إلى عيب نفسه يكون ذلك ما نعاله عن النظر إلى عيب غيره وتعبيبه به وذلك لا يقتضى أن لا ينهى العاصي عن معصيته اقتداء بأمر اللّه تعالى بالنهى عن المنكر لا إعجابا بنفسه وازدراء لقدر غيره عند اللّه فاعانه العالم