الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
106
تفسير روح البيان
يشاهدها البصر الذي هو في الرأس وهي عالم الملك وهي الشكل وصورة باطنة لها سيرة يشاهدها البصيرة التي هي في القلب وهي من عالم الملكوت وهي الخلق فكما ان لهيئته الظاهرة حسنا أو قبحا صوريا باعتبار أشكالها وأوضاعها وألوانها فكذلك لسيرته الباطنة حسن أو قبح معنوي باعتبار شمائلها وطبائعها ومن ذلك قسموا الخلق إلى المحمود والمذموم تارة وإلى الحسن والقبيح أخرى وكثيرا ما يطلق ويراد به المحمود فقط لأنه اللائق بأن يسمى خلقا ومن هذا قوله تعالى خلق عظيم وعليه قول الإمام الرازي الخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالافعال الجميلة ونفس الإتيان بالافعال الجميلة شئ وسهولة الإتيان بها شئ آخر فالخالة التي باعتبارها تحصل تلك السهولة الخلق وسمى خلقا لأنه لرسوخه وثباته صار بمنزلة الخلقة التي جبل عليها الإنسان وان احتاج في كونه ملكة راسخة إلى اعتمال وطول رياضة ومجاهدة ولذا قالوا الخلق يتبدل بالمصاحبة والمعاملة فيكون الحسن قبيحا والقبيح حسنا على حال المصاحبين والمعاملين كما في الحديث ( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) وفي حديث آخر ( لا تجالسوا أهل الأهواء والبدع فان لهم عرة كعرة الجرب ) ومن ذلك كانت مصاحبة الأخيار مستحسنة مرغبا فيها ومصاحبة الأشرار مستقبحة مرهبا عنها وكذلك يتبدل بالسعي في أسبابه ولذلك صنف أطباء الأرواح أبوابا في علم الأخلاق لبيان ما هو صحة روحانية وما هو مرض روحاني كما ألف أطباء الأشباح فصولا في علم الأبدان لبيان سبب كل مرض وعلاجه وانما أفرد الخلق ووصفه بالعظمة كما وصف القرآن بالعظيم لينبه على أن ذلك الحلق الذي هو عليه السلام عليه جامع المكارم الأخلاق أجتمع فيه شكر نوح وخلة إبراهيم واخلاص موسى وصدق وعد إسماعيل وصبر يعقوب وأيوب واعتذار داود وتواضع سليمان وعيسى وغيرها من اخلاق سائر الأنبياء عليهم السلام كما قال تعالى فبهداهم اقتده إذ ليس هذا الهدى معرفة اللّه تعالى لان ذلك تقليد وهو غير لائق بالرسول عليه السلام ولا الشرائع لان شريعته ناسحة لشرآئعهم ومخالفة لها في الفروع والمراد منه الاقتداء بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم لو كان كل منهم مختصا بخلق حسن غالب على سائر أخلاقه فلما امر بذلك فكأنه امر بجمع جميع ما كان متفرقا فيهم فهذه درجة عالية لم تتيسر لاحد من الأنبياء عليهم السلام فلا جرم وصفه اللّه بكونه على خلق عظيم كما قال بعض العارفين لكل نبي في الأنام فضيلة * وجملتها مجموعة لمحمد ولم يتصف عليه السلام بمقضى قوته النظرية الا بالعلم والعرفان والإيقان والإحسان ولم يفعل بمقتضى قوته العملية الا ما فيه رضى اللّه من فرض أو واجب أو مستحب ولم يصدر منه حرام أو مفسد أو مكروه فكان هو الملك بل أعلى منه ويجمع هذا كله قول عائشة رضى اللّه عنها لما سئلت عن خلقه عليه السلام فقالت كان خلقه القرآن أرادت به انه عليه السلام كان متحليا بما في القرآن من مكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف ومتخليا عما يزجر عنه من السيئات وسفساف الخصال وفي رواية قالت للسائل ألست تقرأ القرآن قد أفلح المؤمنون