الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

88

تفسير روح البيان

الإنسان ميتا تشبيها تمثيليا وعبر بالهيئة المشبه بها عن الهيئة المشبهة ولا شك ان الهيئة المشبه بها أفحش جنس التناول واقبحه فيكون التمثيل المذكور تصويرا للاغتياب بأقبح الصور وذلك ان الإنسان يتألم قلبه من قرض عرضه كما يتألم جسمه من قطع لحمه بل عرضه اشرف من لحمه ودمه فإذا لم يحسن للعاقل أكل لحوم الناس لم يحسن له قرض عرضهم بالطريق الأولى خصوصا ان أكل الميتة هو المتناهي في كراهة النفوس ونفور الطباع ففيه إشارة إلى أن الغيبة عظيمة عند اللّه وفي قوله ميتا إشارة إلى دفع وهم وهو أن يقال الشتم في الوجه يؤلم فيحرم واما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤلمه فكيف يحرم فدفعه بأن أكل لحم الأخ وهو ميت أيضا لا يؤلمه ومع هذا هو في غاية القبح لكونه بمراحل عن رعاية حق الاخوة كذا في حواشي ابن الشيخ يقول الفقير يمكن أن يقال إن الاغتياب وان لم يكن مؤلما للمغتاب من حيث عدم اطلاعه عليه لكنه في حكم الإيلام إذ لو سمعه لغمه على انا نقول إن الميت متألم وان لم يكن فيه روح كما أن السن وهو الضرس متألم إذا كان وجعا وان لم يكن فيه حياة فاعرف فَكَرِهْتُمُوهُ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من التمثيل كأنه قيل وحيث كان الأمر كما ذكر فقد كرهتموه فأصمر كلمة قد لتصحيح دخول الفاء في الجزاء فالمقصود من تحقيق استكراههم وتقذرهم من المشبه به الترغيب والحث على استكراه ما شبه به وهو الغيبة كأنه قيل إذا تحققت كراهتكم له فليتحقق عندكم كراهة نظيره الذي هو الاغتياب وَاتَّقُوا اللَّهَ بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما صدر عنكم من قبل وهو عطف على ما تقد من الأوامر والنواهي إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ مبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة حيث يجعل التائب كمن لم يذنب ولا يخص ذلك بتائب دون تائب بل يعم الجميع وان كثرت ذنوبهم فصيغة المبالغة باعتبار المتعلقات ( روى ) ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخد مهما ويتقدم لهما إلى المنزل فيهيئ لهما طعامهما وشرابهما فضم سلمان الفارسي إلى رجلين في بعض أسفاره فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فلم يهيئ لهما شيأ فلما قدما قالا له ما صنعت شيأ فقال لا غلبتني عيناي قالا له انطلق إلى رسول اللّه فاطلب لنا منه طعاما فجاء سلمان إلى رسول اللّه وسأله طعاما فقال عليه السلام انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له ان كان عنده فضل من طعام فليعطك وكان اسامة خازن رسول اللّه على رحله وطعامه فأتاه فقال ما عندي شيء فرجع سلمان إليهما فأخبرهما فقالا كان عند اسامة شيء ولكن بخل به فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا فلما رجع قالوا لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها وسميحة كجهينة بالحاء المهملة بئر بالمدينة غزيرة الماء على ما في القاموس ثم انطلقا يتجسسان هل عند اسامة ما أمر لهما به رسول اللّه من الطعام فلما جاءا إلى رسول اللّه قال لهما ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما والعرب تسمى الأسود أخضر والأخضر أسود وخضرة اللحم من قبيل الأول كأنه عليه السلام أراد باللحم لحم الميت وقد اسود بطول المكث تصويرا لاغتيابهما بأقبح الصور ويحتمل انه عليه السلام أراد بالخضرة النضارة اى نضارة اللحم أو نضارة تناوله وفي الحديث الدنيا حلوة