الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
469
تفسير روح البيان
يليق بجلال اللّه وشأنه فهو جائز الإطلاق وإلا فلا ومن أدلة الأولين ان اللّه عالم بلا مرية فيقال له عالم وعليم وعلام لوروده في الشرع ولا يقال له عارف أو فقيه أو متيقن إلى غير ذلك مما يفيد معنى العلم ومن أدلة الآخرين ان الأسماء اللّه وصفاته مذكورة بالفارسية والتركية والهندية وغيرها مع أنها لم ترد في القرآن والحديث ولا في الاخبار وان المسلمين اجمعوا على جواز إطلاقها ومنها ان اللّه تعالى قال وللّه الأسماء الحسنى فادعوه بها والاسم لا يحسن الا لدلالته على صفات الكمال ونعوت الجلال فكل اسم دل على هذه المعاني كان اسما حسنا وانه لا فائدة في الألفاظ الا رعاية المعاني فإذا كانت المعاني صحيحة كان المنع من اطلاق اللفظ المفيد غير لائق غاية ما في الباب أن يكون وضع اسم علما له مستحدثا وذكر ما يوهم معنى غير لائق به تعالى ليس بأدب اما ذكر ما هو دال على معنى حسن ليس فيه إيهام معنى مستنكر مستنفر فليس فيه من سوء الأدب شيء يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ينطق بتنزهه عن جميع النقائص تنزها ظاهرا قال في كشف الاسرار يسبح له جميع الأشياء اما بيانا ونطقا واما برهانا وخلقا وقد مر الكلام في هذا التسبيح مرارا وجمهور المحققين على أنه تسبيح عبارة وهو لا ينافي تسبيح الإشارة وكذا العكس وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الجامع للكمالات كافة فإنها مع تكثرها وتشعبها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم قال الامام الغزالي رحمه اللّه الحكيم ذو الحكمة والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأجل العلوم وأجل الأشياء هو اللّه تعالى وأجل العلوم هو العلم الأزلي الدائم الذي لا يتصور زواله فليس يعلم اللّه حقيقة الا اللّه ومن عرف جميع الأشياء ولم يعرف اللّه بقدر الطاقة البشرية لم يستحق أن يسمى حكيما فمن عرف اللّه فهو حكيم وان كان ضعيف القوة في العلوم الرسمية كليل اللسان قاصر البيان فيها الا ان نسبة حكمة العبد إلى حكمة اللّه كنسبة معرفته إلى معرفته بذاته وشتان بين المعرفتين فشتان بين الحكمتين ولكنه مع بعده عنه هو أنفس المعارف وأكثرها خيرا ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وما يذكر الا أولوا الألباب وعبد الحكيم هو الذي بصره اللّه بمواقع الحكمة في الأشياء ووفقه للسداد في القول والصواب في العمل وهو يرى خللا في شيء إلا يسده ولا فسادا الا يصلحه وخاصية هذا الاسم دفع الدواهي وفتح باب الحكمة فمن أكثر ذكره صرف اللّه عنه ما يخشاه من الدواهي وفتح له باب الحكمة وانما مدح اللّه نفسه بهذه الصفات العظام تعليما لعباده المدح بصفاته العلى بعد فهم معانيها ومعرفة استحقاقه بذلك طلبا لزيادة تقربهم اليه قال أبو الليث في تفسيره فان قال قائل قد قال اللّه فلا تزكوا أنفسكم فما الحكمة في أن اللّه تعالى نهى عباده عن مدح أنفسهم ومدح نفسه قيل له عن هذا السؤال جوابان أحدهما ان العبد وان كان فيه خصال الخير فهو ناقص وإذا كان ناقصا لا يجوز له أن يمدح نفسه واللّه تعالى تام الملك والقدرة فيستوجب بهما المدح فمدح نفسه ليعلم عباده فيمدحوه والجواب الآخر أن العبد وان كان فيه خصال الخير فتلك إفضال من اللّه تعالى ولم يكن ذلك بقوة العبد فلهذا لا يجوز أن يمدح نفسه ونظير هذا ان اللّه تعالى نهى عباده أن يمنوا على أحد بالمعروف وقد من على عباده للمعنى