الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

465

تفسير روح البيان

قال الراغب التكبر يقال على وجهين أحدهما أن تكون الأفعال الحسنة كثيرة في الحقيقة وزائدة على محاسن غيره وعلى هذا وصف اللّه بالمتكبر وهو ممدوح والثاني أن يكون متكلفا لذلك متشبعا وذلك في وصف عامة الناس والموصوف به مذموم وفي الحديث ( الكبرياء ردآئى والعظمة إزاري فمن نازعني في شيء منهما قصمته ) قال بعضهم الفرق بين المتكبر والمستكبر ان المتكبر عام لاظهار الكبر الحق كما في أوصاف الحق تعالى ولاظهار الكبر الباطل كما في قوله سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق والكبر ظن الإنسان انه أكبر من غيره والتكبر إظهاره ذلك كما في العوارف والاستكبار اظهار الكبرياء باطلا كما في قوله تعالى في حق إبليس استكبر وغير ذلك كما تجده في موارد استعمالاته في القرآن والحديث وقال في الأسئلة المقحمة ما معنى المتكبر من أسماء اللّه فان التكبر مذموم في حق الخلق والجواب معناه هو المتعظم عما لا يليق به سبحانه وهو من الكبرياء لا من التكبر ومعناه المبالغة في العظمة والكبرياء في اللّه وهو الامتناع عن الانقياد فلهذا كان مذموما في حق الخلق وهو صفة مدح في حق اللّه تعالى انتهى فان قلت ما تقول في قوله عليه السلام حين قال له عمه أبو طالب ما أطوعك ربك يا محمد وأنت يا عم لو أطعته أطاعك قلت هذه الإطاعة والانقياد للمطيع لا للخارج عن امره فلا ينافي عدم انقياده لغيره فهو المتكبر للمتكبر كما أنه المطيع للمطيع قال بعضهم المتكبر هو الذي يرى غيره حقيرا بالإضافة إلى ذاته فينظر إلى الغير نظر المالك إلى عبده وهو على الإطلاق لا يتصور الا للّه تعالى فإنه المتفرد بالعظمة والكبرياء بالنسبة إلى كل شيء من كل وجه ولذلك لا يطلق على غيره تعالى الا في معرض الذم لما انه يفيد التكلف في اظهار مالا يكون قال عليه السلام تحاجت النار والجنة فقالت هذه يدخلني الجبارون المتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال اللّه لهذه أنت عذابي أعذب بك من أشاء وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها ومن عرف علوه تعالى وكبرياءه لازم طريق التواضع وسلك سبيل التذلل قيل الفقير في خلقه أحسن منه في جديد غيره فلا شيء أحسن على الخدم من لباس التواضع بحضرة السادة قال بعض الحكماء ما أعز اللّه عبدا بمثل ما يدل على ذل نفسه وما اذله بمثل ما يدل على عز نفسه ( حكى ) ان بعضهم قال رأيت رجلا في الطواف وبين يديه خادمان يطردان الناس ثم بعد ذلك رأيته يتكفف على جسر فسألته عن ذلك فقال إني تكبرت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني اللّه في موضع يترفع فيه الناس وعبد المتكبر هو الذي فنى تكبره بتذلله للحق حتى قام كبرياء اللّه مقام كبره فيتكبر بالحق على ما سواه فلا يتذلل للغير قال الامام الغزالي قدس سره المتكبر من العباد هو الزاهد ومعنى زهد العارف أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويتكبر في كل شيء سوى اللّه تعالى فيكون مستحقرا للدنيا والآخرة مرتفعا عن أن يشغله كلتاهما عن الحق وزهد العارف معاملة ومعاوضة فهو انما يشترى بمتاع الدنيا متاع الآخرة فيترك الشيء عاجلا طمعا في أضعافه آجلا وانما هو سلم ومبايعة ومن استعبدته