الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

368

تفسير روح البيان

والصديق بأن الصادق كالمخلص بالكسر من تخلص من شوآئب الصفات النفسانية مطلقا والصديق كالمخلص بالفتح من تخلص أيضا عن شوآئب الغيرية والثاني أوسع فلكا وأكثر إحاطة فكل صديق ومخلص بالفتح صادق ومخلص بالكسر من غير عكس قال أبو علي الجرجاني قدس سرة قلوب الأبرار متعلقة بالكون مقبلين ومدبرين وقلوب الصديقين معلقة بالعرش مقبلين باللّه للّه لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ مبتدأ وخبر والجملة خبر ثان للموصول والضمير الأول على الوجه الأول للموصول والأخيران للصديقين والشهداء ولا بأس بالفك عند الامن اى لهم مثل أجرهم ونورهم المعروفين بغاية الكمال وعزة المنال وقد حذف أداة التشبيه تنبيها على قوة المماثلة وبلوغها حد الاتحاد كما فعل ذلك حيث قيل هم الصديقون والشهداء وليست المماثلة بين ما للفريق الأول من الأجر والنور وبين تمام ما للأخيرين من الأصل بدون الأضعاف ليحصل التفاوت واما على الوجه الثاني فمرجع الكل واحد والمعنى لهم الأجر والنور الموعود ان لهم قال بعض الكبار لا يكون الأجر الا مكتسبا فان أعطاك الحق تعالى ما هو خارج عن الكسب فهو نور وهبات ولا يقال له أجر ولهدا قال تعالى لهم أجرهم ونورهم فان أجرهم ما اكتسبوه ونورهم ما وهبه الحق لهم من ذلك حتى لا ينفرد الأجر من غير أن يختلط به الوهب لان الأجر فيه شائبة الاستحقاق إذ هو معاوضة عن عمل متقدم يضاف إلى العبد فماتم أجر الا ويخالطه نور وذلك لتكون المنة الإلهية مصاحبة للعبد حيث كان فان تسمية العبد أجيرا مشعر بأن له نسبة في الطاعات والأعمال الصادرة عنه فتكون الإجارة من تلك النسبة ولذلك طلب العبد العون على خدمة سيده فان قلت من اى جهة قبل العبد الأجرة والبعد واجب عليه الخدمة لسيده من غير أن يأخذ اجرة وان جعلناه أجنبيا فمن اى جهة تعين الفرض عليه ابتداء قبل الأجرة والأجير لا يفترض عليه إلا حين يؤجر نفسه قلت الإنسان مع الحق تعالى على حالتين حالة عبودية وحالة إجارة فمن كونه عبدا فهو مكلف بالفرض كالصلاة والزكاة وجميع الفرائض ولا أجر له على ذلك جملة واحدة ومن كونه أجيرا له الأجرة بحكم الوعد الإلهي ولكن ذلك مخصوص بالأعمال المندوبة لا المفروضة فعلى تلك الأعمال التي ندب الحق إليها فرضت الأجور فان تقرب العبد بها إلى سيده أعطاه إجارته وان لم يتقرب لم يطلب بها ولا عوتب عليها ومن هنا كان العبد حكمه حكم الأجنبي في الإجارة للفرض الذي يقابله الجزاء إذ هو العهد الذي بين اللّه وبين عباده واما النوافل فلها الأجور المنتجة للمحبة الإلهية كما قال لا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه والحكمة في ذلك ان المتنفل عبد اختياري كالأجير فإذا اختار الإنسان أن يكون عبد اللّه لا عبد هواه فقد آثر اللّه على هواه وهو في الفرائض عبد اضطرار لا عبد اختيار وبين عبودية الاضطرار وعبودية الاختيار ما بين الأجير والعبد المملوك إذ العبد الأصلي ماله على سيده استحقاقا الا ما لا بد منه من مأكل وملبس ثم يقوم بواجبات مقام سيده ولا يزال في دار سيده لا يبرح ليلا ولانهارا الا إذا وجهه في شغل آخر فهو في الدنيا مع للّه وفي القيامة مع اللّه وفي الجنة مع اللّه لأنها جميعا ملك لسيده فيتصرف فيها