الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

359

تفسير روح البيان

كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا * أو سيئا ومدين مثل مادانا وقيل المراد بالقرض الصدقة انتهى وهاهنا وجه آخر وهو ان القرض في الأصل القطع من قرض الثوب بالمقراض إذا قطعه به ثم سمى به ما يقطعه الرجل من أمواله فيعطيه عينا بشرط رد بدله فعلى هذا يكون قرضا حسنا مفعولا به والمعنى من ذا الذي يقرض اللّه مالا حسنا اى حلالا طيبا فإنه تعالى لا يقبل الا الحلال الطيب فَيُضاعِفَهُ لَهُ بالنصب على جواب الاستفهام باعتبار المعنى كأنه قيل أيقرض اللّه أحد فيضاعفه له اى قيعطيه أجره أضعافا من فضله وانما قلنا باعتبار المعنى لان الفاء انما تنصب فعلا مردودا على فعل مستفهم عنه كما قاله أبو علي الفارسي وهاهنا السؤال لم يقع عن القرض بل عن فاعله وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ اى وذلك الأجر المضموم اليه الأضعاف كريم حسن مرضى في نفسه حقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون وان لم يضاعف فكيف وقد ضوعف أضعافا كثيرة ( وروى ) انه لما نزلت هذه الآية جعل أبو الدحداح يتصدق بنصف كل شيء يملكه في سبيل اللّه حتى أنه خلع احدى نعليه ثم جاء إلى أم الدحداح فقال إني بايعت ربى فقالت ربح بيعك فقال النبي عليه السلام كم من نخلة مدلاة عذوقها في الجنة لأبي الدحداح قال بعضهم سأل اللّه منهم القرض ولو كانوا على نعت المروءة لخرجوا من وجودهم قبل سؤاله فضلا عن المال فان العبد وما يملكه لمولاه فإذا بذلوا الوجود المجازى وجدوا من اللّه بدله الوجود الحقيقي وله أجر كريم بحسب الاجتهاد في السير إلى اللّه والتوجه إلى عتبة بابه الكريم هر كسى از همت والاي خويش * سود برد در خور كالاى خويش وفي الآية إشارة إلى القرض الشرعي لمن يستقرض كما دل عليه قوله تعالى عبدي استطعمتك فلم تطعمنى فاعطاء القرض للعبد إعطاء اللّه تعالى والقرض أفضل من الصدقة لأنه ربما سأل سائل وعنده ما يكفيه واما المستقرض فلا يستقرض الا من حاجة وقال بعضهم هذا القرض هو ان يقول سبحان اللّه والحمد للّه ولا اله الا اللّه واللّه أكبر وهو أفضل الأذكار وعن الحسن هو التطوعات وفي المرفوع النافلة هدية المؤمن إلى ربه فليحسن أحدكم هديته وليطيبها والحاصل ان الكريم يرد القرض بأحسن ما يكون من الرد ويحسن أيضا في مقابلة الهدية يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ منصوب باضمارا ذكر تفخيما لذلك اليوم اى اذكر وقت رؤيتهم يوم القيامة على الصراط يَسْعى نُورُهُمْ حال من مفعول ترى اى نور ايمانهم وطاعتهم والسعي المشي السريع وهو دون العدو ويستعمل للجد في الأمر خيرا كان أو شرا وأكثر ما يستعمل في الافعال المحمودة بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ جمع يمين بمعنى الجارحة والمراد جهة اليمين وبين ظرف للسعى قال أبو الليث يكون النور بين أيديهم وبأيمانهم وعن شمائلهم الا أن ذكر الشمال مضمر وقال في فتح الرحمن وخص بين الأيدي بالذكر لأنه موضع حاجة الإنسان إلى النور وخص ذكر جهة اليمين تشريفا وناب ذلك مناب ان يقول وفي جميع جهاتهم وفي كشف الاسرار لان طريق الجنة يمنة وتجاههم وطريق أهل النار يسرة ذات شمال وفي الحديث ( بينا انا على حوضي أنادي هلم إذا أناس اخذتهم ذات الشمال فاختلجوا