الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
353
تفسير روح البيان
تكرير للتأكيد وتمهيد لقوله تعالى وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ على البناء للمفعول من رجع رجعا اى رد ردا وقرئ على البناء للفاعل من رجع رجوعا والمعنى اليه تعالى وحده لا إلى غيره استقلالا واشتراكا ترد جميع الأمور فاستعدوا للقائه باختيار أرشد الأمور وأحسنها عند اللّه پس تكرير كلام جهت آنست كه أول تعلق بإبداء دارد وثاني بإعادة ولذا قرن بالأول يحيى ويميت وبالثاني ما يكون في الآخرة من رد الخلق اليه وجزائه إياهم بالثواب والعقاب وفيه إشارة إلى أنه له ملك علوم السماوات الروحانية وهي العلوم الكشفية اللدنية الموهوبة بالاسم الوهاب من غير تحصيلي الأسباب لعباده المخلصين بإفاضته عليهم وله أيضا ملك العلوم الرسمية الكسبية الأرضية بالسعي والاجتهاد للعلماء بإفاضة توفيق الكسب والاجتهاد فأمور العلوم الكشفية والكسبية ترجع إلى عناية اللّه الأزلية والأبدية يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ الإيلاج الإدخال يعنى أز زمان شب در روز افزايد حتى يصير النهار أطول ما يكون خمس عشرة ساعة والليل اقصر ما يكون تسع ساعات وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعنى از زمان روز بشب زيادة كند باختلاف الفصول وبحسب مطالع الشمس ومغاربها حتى يصير الليل أطول ما يكون خمس عشرة ساعة والنهار اقصر ما يكون تسع ساعات والليل والنهار ابدا اربع وعشرون ساعة قال في فتح الرحمن فيه تنبيه على العبرة فيما يجاذبه الليل والنهار من الطول والقصر وذلك متشعب مختلف حسب اختلاف الأقطار والأزمان الأربعة وذلك بحر من بخار الكفرة لمن تأمله وَهُوَ عَلِيمٌ اى مبالغ في العلم بِذاتِ الصُّدُورِ اى بمكنوناتها اللازمة لها من الاسرار والمعتقدات وذلك اغمض ما يكون وهو بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه في نياتهم بعد بيان احاطته بأعمالهم التي يظهرونها وفي الآية إشارة إلى أنه يستهلك ظلمة ليل البشرية والطبيعة في نور نهار الروح بطريق تغليب نور نهار الروح وهو تعالى عالم بكل ما يصدر من أصحاب ليل النفوس من السيئات ومن أرباب نهار الأرواح من الحسنات لا يفوته منهما شيء قال ابن عباس رضى اللّه عنهما اسم اللّه الأعظم في أول سورة الحديد في ست آيات من أولها فإذا علقت على المقاتل في الصف لم ينفذ اليه حديد كما في فتح الرحمن آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ روى أن الآية نزلت في غزوة ذي العشيرة وهي غزوة تبوك وفي عين المعاني يحتمل الزكاة والنفقة في سبيل اللّه والمعنى جعلكم اللّه خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة عبر عما بأيديهم من الأموال والأرزاق بذلك تحقيقا للحق وترغيبا لهم في الانفاق فان من علم أنها للّه وانه بمنزلة الوكيل والنائب بحيث يصرفها إلى ما عينه اللّه من المصارف هان عليه الانفاق أو جعلكم خلفاء من قبلكم فيما كان بأيديهم بتوريثه إياكم فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم وسينتقل منكم إلى من بعدكم فلا تبخلوا به قال الشاعر ويكفيك قول الناس فيما ملكته * لقد كان هذا مرة لفلان فلا بد من انفاق الأموال التي هي للغير وستعود إلى الغير فكما ان الانفاق من مال الغير يهون على النفس إذا اذن فيه صاحبه فكذا من المال الذي على شرف الزوال