الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

331

تفسير روح البيان

الشيء امنيه إذا قضيته وسمى المنى منيا لان الخلق منه يقضى أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ اى تقدرونه وتصورونه بشرا سويا في بطون النساء ذكرا أو أنثى أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ له من غير دخل شيء فيه وأم قيل منقطعة لان ما بعدها جملة فالمعنى بل أنحن الخالقون على أن الاستفهام للتقرير وقيل متصلة ومجيئ الخالقون بعد نحن بطريق التأكيد لا بطريق الخبرية أصالة وفيه إشارة إلى معنى ان وقوع نطف الأعمال والافعال وموادها في أرحام قلوبكم ونفوسكم بخلقي وإرادتي لا بخلقكم وارادتكم ففيه تخصيص مواد لخواطر المقتضية للأفعال والأعمال والأقوال إلى نفسه وقدرته وسلبها عن الخلق نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ اى قسمناه عليكم ووقتنا موت كل أحد بوقت معين حسبما تقتضيه مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة فمنهم من يموت صغيرا ومنهم من يموت كبيرا يقول الفقير قيل لي في بعض الاسحار اصبر ولا يكون الا ما قدر اللّه تعالى فمرضت بعد أيام ابنتي أمة اللّه حتى ماتت جعلها اللّه فرطا وذخرا وشافعة ومشفعة وقد ثبت ان إبراهيم عليه السلام تعلق بإسماعيل فابتلى بذبحه وكذا يعقوب عليه السلام تعلق بيوسف فابتلى بالفراق فهذه كلها مقادير يحب الرضى بها وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ اى انا قادرون عَلى أَنْ نُبَدِّلَ منكم أَمْثالَكُمْ لا يغلبنا أحد على أن نذهبكم ونأتى مكانكم بأشباهكم من الخلق يقال سبقته على كذا اى غلبته عليه وغلب فلان فلانا على الشيء إذا اخذه منه بالغلبة وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ من الخلق والأطوار لا تعهدون بمثلها وقال الحسن البصري رحمه اللّه اى نجعلكم قردة وخنازير كمن مسخ قبلكم ان لم تؤمنوا برسلنا يعنى لسنا عاجزين عن خلق أمثالكم بدلا منكم ومسخكم من صوركم إلى غيرها ويحتمل ان الآية تنحو إلى الوعيد فالمراد اما انشاؤهم في خلق لا يعلمونها أو صفات لا يعلمونها يعنى كيفيات من الألوان والاشكال وغيرها وفي الحديث ( ان أهل الجنة جرد مرد وان الجهنمي ضر سه مثل أحد ) وفي الآية إشارة إلى أن اللّه تعالى ليس بعاجز عن تبديل الصفات البشرية بالصفات الملكية وجعل السالكين مظهر الصفات غير صفاتهم التي هم عليها إذ توارد الصفات المختلفة المتباينة على نفس واحدة على مقتضى الحكمة البالغة ليس من المحال ألا ترى إلى الجوهر الواحد فإنه يصير تارة فضة وأخرى ذهبا بطرح الإكسير وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ اى الخلقة الْأُولى هي خلقتهم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وقيل هي فطرة آدم من التراب فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ فهلا تتذكرون ان من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى حتما فإنها أقل صنعا لحصول المواد وتخصص الاجزاء وسبق المثال آنكه ما را ز خلوت نابود * مىكشد تا بجلوه كاه وجود بار ديكر كه از سموم هلاك * روى پوشيم زير پردهء خاك هم تواند بأمر كن فيكون * كارد از كوشهء لحد بيرون وفي الخبر عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور وفي الآية دليل على صحة القياس حيث جهلهم