الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
33
تفسير روح البيان
يعذبه عذابا أليما كما قال أوحد المشايخ في وقته أبو عبد اللّه الشيرازي قدس سره رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام وهو يقول من عرفه طريقا إلى اللّه فسلكه ثم رجع عنه عذبه اللّه بعذاب لم يعذب به أحدا من العالمين وقد قالوا مرتد الطريقة أعظم ذنبا من مرتد الشريعة وقال الجنيد لو اقبل صديق على اللّه ألف سنة ثم اعرض عنه لحظة فان ما فاته أكثر مما ناله وقال بعضهم في الآية إشارة إلى الأعمى الحقيقي وهو من لا يرى غير اللّه لا الآخرة التي أشير إليها بالعين اليمنى ولا الدنيا التي أشير إليها بالعين اليسرى وهو معذور با استعمال الرخص والدخول في الرفاهية كما قال بعض الكبار ان المحقق لا يجوع نفسه الا اضطرارا سيما إذا كان في مقام الهيبة وكسر الصفات فإنه يكثرا كله لشدة سطوات نيران الحقائق في قلبه بالعظمة وشهودها وهي حالة المقربين ولكن قد يقلل عمدا على قصد المحاق بأهله الانس باللّه فهو بذلك يجتمع بالسالك انتهى وإلى الأعرج الحقيقي وهو من وصل إلى منزل المشاهدة فضرب بسيوف الوحدة والإطلاق على رجل الاثنينية والتقيد فتعطل آلاته بالفناء فتقاعد هناك وهم الافراد المشاهدون فلا حرج لهم أن لا ينزلوا إلى مقام المجاهدين أيضا ومن هنا يعرف سر قولهم الصوفي من لا مذهب له فان من لا مذهب له لا سير له ومن لا سير له لا يلزم له آلة وإلى المريض الحقيقي وهو الذي اسقمه العشق والمحبة وهو معذور إذا باشر الروحانيات مثل السماع واستعمال الطيب والنظر إلى المستحسنات فان مداواته أيضا تكون من قبيل العشق والمحبة لان العشق أمرضه فيداوى بالعشق أيضا كما قيل تداويت من ليلى بليلى من الهوا * كما يتداوى شارب الخمر بالخمر وقال بعضهم من كان له عذر في المجاهدة فان اللّه يحب ان تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه فاعرف ذلك لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ رضى العبد عن اللّه ان لا يكره ما يجرى به قضاؤه ورضى اللّه عن العبد هو أن يراه مؤتمرا لأمره منتهيا عن نهيه وهم الذين ذكر شأن مبايعتهم وكانوا ألفا وأربعمائة على الصحيح وقيل ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين وبهذه الآية سميت بيعة الرضوان وقال بعض الكبار سميت بيعة الرضوان لان الرضى فناء الإرادة في إرادته تعالى وهو كمال فناء الصفات وذلك ان الذات العلية محتجبة بالصفات والصفات بالافعال والافعال بالأكوان والآثار فمن تجلت عليه الافعال بارتفاع حجب الأكوان توكل ومن تجلت عليه الصفات بارتفاع حجب الافعال رضى وسلّم ومن تجلت عليه الذات بانكشاف حجب الصفات فنى في الواحدة فصار موحدا مطلقا فاعلا ما فعل وقارئا ما فرأ ما دام هذا شهوده فتوحيد الافعال مقدم على توحيد الصفات وتوحيد الصفات مقدم على توحيد الذات وإلى هذه المراتب الثلاث أشار صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله في سجوده وأعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك فاعلم ذلك فإنه من لباب المعرفة إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ منصوب برضى وصيغة المضارع لاستحضار صورتها وتحت الشجرة متعلق به والشجر من النبت ماله ساق والمراد بالشجرة هنا سمرة اى أم غيلان وهي كثيرة في بوادي الحجاز وقيل سدرة وكان مبايعتهم على أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا