الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

303

تفسير روح البيان

لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ لأنهم يعرفون بسيماهم فلا يحتاج في تمييز المذنب عن غيره إلى أن يسأل عن ذنبه ان أراد أحد أن يطلع على أحوال أهل المحشر وذلك أول ما يخرجون من القبور ويحشرون إلى الموقف فوجا فوجا على اختلاف مراتبهم واما قوله فوربك لنسألنهم أجمعين ونحوه ففي موقف المناقشة والحساب وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا فإنه أعلم بذلك منهم ولكن يسألهم لم عملتم كذا وكذا وعنه أيضا ويسألون سؤال شفاء وراحة وانما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ وضمير ذنبه للانس لتقدمه رتبة وافراده لما أن المراد فرد من الانس كأنه قيل لا يسأل عن ذنبه انسى ولا جنى وأراد بالجان الجن كما يقال تميم ويراد ولده فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مع كثرة منافعها فان الاخبار بما ذكر مما يزجركم عن الشر المؤدى اليه وفيه إشارة إلى شعاشع أنوار الطاعة والعبادة على صفحات وجنات انس الروح وإلى تراكم ظلمات المعصية والمتمرد وسلاسل الطغيان وأغلال العصيان على صفحات وجوه جن النفس المظلمة وأعناقهم المتمردة الآبية عن الطاعة والانقياد فبأي آلاء ربكما تكذبان بما أنعم اللّه على عباده المنقادين في هذا اليوم ومما انتقم من عباده المتمردين في ذلك اليوم فان الانتقام من الأعداء نعمة على الأحباب ولذا ورد الحمد عقيبه كما قال تعالى فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للّه رب العالمين وكمال الانتقام بافناء أوصاف النفس الامارة بالكلية يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ السيما والسيماء بالكسر والقصر والمد العلامة والجملة استئناف يجرى مجرى التعليل لعدم السؤال قيل يعرفون بسواد الوجوه وزرقة العيون وقيل بما يعلوهم من الكآبة والحزن كما يعرف الصالحون بأضداد ذلك فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ النواصي جمع ناصية وهي مقدم الرأس والمراد هنا شعرها والجار والمجرور هو القائم مقام الفاعل يقال أخذه إذا كان المأخوذ مقصودا بالأخذ ومنه قوله تعالى خذوا حذركم ونحوه وأخذ به إذا كان المأخوذ شيأ من ملابسات المقصود بالأخذ ومنه قوله تعالى لا تأخذ بلحيتي ولا برأسى وقول المستغيث خذ بيدي أخذ اللّه بيدك والمعنى تأخذ الملائكة بنواصيهم اى بشعور مقدم رؤسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار أو تسحبهم الملائكة إلى النار تارة تأخذ بالنواصي وتجرهم على وجوههم أو يجمع بين نواصيهم وأقدامهم في سلسلة من ورلء ظهورهم فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ من المواعظ والزواجر هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ على إرادة القول اى يقال لهم ذلك بطريق التوبيخ يَطُوفُونَ بَيْنَها اى يدرون بين النار يحرقون بها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ اى ماء بالغ من الحرارة أقصاها يصب عليهم أو يسقون منه اى يطوفون من النار إلى الحميم ومن الحميم إلى النار دهشا وعطشا ابدا من أنى يأنى فهو آن مثل قضى يقضى فهو قاض إذا انتهى في الحر والفيح قال أبو الليث يسلط عليهم الجوع فيؤتى بهم إلى الزقوم الذي طلعها كرؤس الشياطين فأكلوا منها فأخذت في حلوقهم فاستغاثوا بالماء فأوتوا به من الحميم فإذا قربوه إلى وجوههم تناثر لحم وجوههم ويشربون فتغلى أجوافهم ويخرج جميع ما فيها ثم يلقى عليهم الجوع فمرة يذهب بهم إلى الحميم ومرة إلى الزقوم وقال كعب الأحبار ان واديا من أودية