الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

288

تفسير روح البيان

تفسير سورة الرحمن وتسمى عروس القرآن مكية أو مدينة وآيها ست أو سبع أو ثمان وسبعون بسم الله الرحمن الرحيم الرَّحْمنُ مبتدأ خبره ما بعده اى الذي له الرحمة الكاملة كما جاء في بعض الدعاء رحمان الدنيا ورحيم الآخرة لأنه عم الرزق في الدنيا كما قيل أديم زمين سفرهء عام اوست * برين خوان يغما چه دشمن چه دوست وخص المؤمنين بالعفو في الآخرة وبالفارسية خداوند بخشايش بسيار كه رحمت أو همه چيز را رسيده والرحمة في الحقيقة العف والحنوا عنى الميل الروحاني ومنه الرحم لانعطافها الحسى على ما فيها وأريد بها بالنسبة إلى اللّه تعالى إرادة الخير أو الانعام لان عطف على أحد أصابه بأحدهما قال الامام الغزالي رحمه اللّه الرحمن هو العطوف على العباد بالإيجاد أولا وبالهداية إلى الايمان وأسباب السعادة ثانيا والإسعاد بالآخرة ثالثا والانعام بالنظر إلى وجه الكريم رابعا انتهى ولما كانت هذه السورة الكاملة شاملة لتعداد النعم الدنيوية والأخروية والجسمانية والروحانية طرزها بطراز اسم الرحمن الذي هو اسم الذات المشتمل على جميع الأسماء والصفات ليسند اليه النعم المختلفة بعده ولما كان القرآن أعظم النعم شأنا لأنه مدار جميع السعادات ولذا قال عليه السلام اشراف أمتي حملة القرآن اى ملازموا قراءته وأصحاب الليل وقال خيركم من تعلم القرآن وعلمه وفيه جميع حقائق الكتب السماوية وكان تعليمه من آثار الرحمة الواسعة وأحكامها بدأبه فقال عَلَّمَ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم الْقُرْآنَ بواسطة جبريل عليه السلام وبواسطة محمد عليه السلام غيره من الأمة ( قال الكاشفي ) يعنى آسان كردانيده مر أو را آموختن وديكر انرا آموزانيدن قال ابن عطاء رحمه اللّه لما قال اللّه تعالى وعلم آدم الأسماء كلها أراد ان يخص أمة محمد بخاصة مثله فقال الرحمن علم القرآن اى الذي علم آدم الأسماء وفضله بها على الملائكة هو الذي علمكم القرآن وفضلكم به على سائر الأمم فقيل له متى علمهم قال علمهم حقيقة في الأزل واظهر لهم تعليمه وقت الإيجاد وفيه إشارة إلى أن تعليم القرآن وان كان في الصورة بواسطة جبريل من الوجه العام لكنه كان بلا واسطة في المعنى من الوجه الخاص على ما سنريد وضوحا في محله ان شاء اللّه تعالى وقال بعضهم علم القرآن اى أعطى الاستعداد الكامل في الأزل لجميع المستعدين ولذلك قال علم القرآن ولم يقل علم الفرقان كما في قوله تعالى تبارك الذي نزل الفرقان فان الكلام الإلهي قرآن باعتبار الجمع والبداية وفرقان باعتبار الفرق والنهاية فهو بهذا المعنى لا يتوقف على خلق الإنسان وظهوره في هذا العالم وانما الموقوف عليه تعليم البيان ولذا قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان وخلقه على تعليم البيان انتهى وفي الآية إشارة إلى أن التعليم والتسهيل انما هو من اللّه تعالى لا من المعلمين والحافظين وقد علم آدم الأسماء ووفقه لتعلمها وسهله باذنه وعلم داود صنعة الدرع كما قال وعلمناه صنعة لبوس لكم وعلم عيسى علم الطب كما قال ويعلمه الكتاب والحكمة وعلم الخضر العلم اللدني كما قال وعلمناه من لدنا علما