الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
240
تفسير روح البيان
والجملة اعتراض مقرر لقصر همتهم على الدنيا الدنية التي هي ابغض الخلق إلى اللّه تعالى بشهادة قوله عليه السلام ان اللّه لم يخلق خلقا هو ابغض اليه من الدنيا وما نظر إليها منذ خلقها بغضالها رواه أبو هريرة رضى اللّه عنه ومعنى هو ان الدنيا على اللّه سبحانه انه تعالى لم يجعلها مقصودة لنفسه بل جعلها طريقا موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه ولذلك قال عليه السلام الدنيا قنطرة فاعبروها لا تعمروها فما ورد من إباحة لعن الدنيا فباعتبار ما كان منها مبعدا عن اللّه تعالى وشاغلا عنه كما قال بعض أهل الحقيقة ما ألهاك عن مولاك فهو دنياك ومشئوم عليك واما ما يقرب إلى اللّه ويعين إلى عبادته فممدوح كما قال عليه السلام لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر ان العبد إذا قال لعن اللّه الدنيا قالت الدنيا لعن اللّه أعصانا لربه ( وفي المثنوى ) چيست دنيا از خدا غافل بدن * نى قماش ونقره وميزان وزن مال را كز بهر دين باشى حمول * نعم مال صالح خواندش رسول آب در كشتى هلاك كشتى است * آب اندر زير كشتى پشتى است چونكه مال وملك را از دل براند * زان سليمان خويش جر مسكين نخواند قال بعض الكبار من ذم الدنيا فقد عق أمه لان جميع الأنكاد والشرور التي ينسبها الناس إلى الدنيا ليس هو فعلها وانما هو فعل أولادها لان الشر فعل المكلف لا فعل الدنيا فهي مطية العبد عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر فهي تحب ان لا يشقى أحد من أولادها لأنها كثيرة الحنو عليهم وتخاف أن تأخذهم الضرة الأخرى على غير أهبة مع كونها ما ولدتهم ولا تعبث في تربيتهم فمن عقوق أولادها كونهم ينسبون جميع افعال الخير إلى الآخرة ويقولون اعمال الآخرة والحال انهم ما عملوا تلك الأعمال الا في الدنيا فللدنيا اجر المصيبة التي في أولادها ومن أولادها فما أنصف من ذمها بل هو جاهل بحق أمه ومن كان كذلك فهو بحق الآخرة أجهل انتهى واعلم أن الإرادة والنية واحد وهو قصد قلبي ينبعث إلى قلب الإنسان بالبعث الإلهي فهذا البعث الإلهي ان كان بالفجور على ما قال تعالى فألهمها فجورها وتقواها فهو من اسم المضل وقبضة الجلال ويد القهر وسادنه هو الشيطان وان كان بالتقوى فهو من اسم الهادي وققبضة الجمال ويد اللطف وسادنه هو الملك والأول من عالم العدل والثاني من عالم الفضل وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ثم إن نية الإنسان لا تخلو اما أن يكون متعلقها في لسانه وجنانه هو الدنيا فهو سيئ نية وعملا واما أن يكون متعلقها في لسانه هو الآخرة وفي جنانه هو الدنيا فهو أسوأ نية وعملا واما أن يكون متعلقها في لسانه وجنانه هو الآخرة فهو حسن نية وعملا واما أن يكون متعلقها في لسانه وجنانه هو وجه اللّه فهو أحسن نية وعملا فالأول حال الكفار والثاني حال المنافقين والثالث حال الأبرار والرابع حال المقربين وقد أشار الحق سبحانه وتعالى إلى أحوال المقربين عبارة وإلى أحوال غيرهم إشارة في قوله تعالى انا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا والمقربون قد فروا إلى اللّه من جميع ما في ارض الوجود ولم يلتفتوا إلى شيء سوى وجهه الكريم ولم يريدوا أمن المولى غير