الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
214
تفسير روح البيان
عَلَّمَهُ اى القرآن الرسول اى نزل به عليه وقرأه عليه وبينه له هذا على أن يكون الوحي بمعنى الكتاب وان كان بمعنى الإلهام فتعليمه بتبليغه إلى قلبه فيكون كقوله نزل به الروح الأمين على قلبك شَدِيدُ الْقُوى من إضافة الصفة إلى فاعلها مثل حسن الوجه والموصوف محذوف اى ملك شديد قواه وهو جبريل فإنه الواسطة في ابداء الخوارق ويكفيك دليلا على شدة قوته انه قلع قرى قوم لوط من الماء الأسود الذي تحت الثرى وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة ثم قلبها وصاح بثمود صيحة فأصبحوا جاثمين ورأى إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقبات الأرض المقدسة فنفخه نفخة بجناحه يعنى باد زد ويرا بجناح خود بادي وألقاه في أقصى جبل في الهند وكان هبوطه على الأنبياء عليهم السلام وصعوده في اسرع من رجعة الطرف ذُو مِرَّةٍ اى حصافة يعنى استحكام في عقله ورأيه ومتانة في دينه قال الراغب أمررت الحبل إذا فتلته والمرير والممر المفتول ومنه فلان ذو مرة كأنه محكم الفتل وفي القاموس المرة بالكسر قوة الخلق وشدة والجمع مرر وإمرار والعقل والاصالة والاحكام والقوة وطاقة الحبل كالمريرة وذو مرة جبريل عليه السلام والمريرة الحبل الشديد الفتل فَاسْتَوى عطف على علمه بطريق التفسير فإنه إلى قوله ما أوحى بيان لكيفية التعليم اى فاستقام جبريل واستقر على صورته التي خلقه اللّه عليها وله ستمائة جناح موشحا اى مزينا بالجواهر دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي كصورة دحية أمير العرب وكما اتى إبراهيم عليه السلام في صورة الضيف وداود عليه السلام في صورة الخصم وذلك ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بجبل حرآء وهو الجبل المسمى بجبل النور في قرب مكة فقال ان الأرض لا تسعني ولكن انظر إلى السماء فطلع له جبريل من المشرق فسد الأرض من المغرب وملأ الأفق فخر رسول اللّه كما خر موسى في جبل الطور فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه وذلك فان الجسد وهو في الدنيا لا يتحمل رؤية ما هو خارج عن طور العقل فمنها رؤية الملك على صورة جبل عليها وأعظم منها رؤية اللّه تعالى في هذه الدار قيل ما رآه أحد من الأنبياء في صورته غير نبينا عليه السلام فإنه رآه فيها مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء ليلة المعراج عند سدرة المنتهى لما سيأتي ( وروى ) ان حمزة بن عبد المطلب رضى اللّه عنه قال يا رسول اللّه أرني جبرائيل في صورته فقال إنك لا تستطيع أن تنظر اليه قال بلى يا رسول اللّه أرنيه فقعد ونزل جبرائيل على خشبة في الكعبة كان المشركون يضعون ثيابهم عليها إذا طافوا فقال عليه السلام ارفع طرفك يا حمزة فانظر فرفع عينيه فإذا قدماه كالزبرجد الأخضر فخر مغشيا عليه ( وروى ) انه رآه على فرس والدنيا بين كلكلها وفي وجهه أخدود من البكاء لو ألقيت السفن فيه لجرت وانما رآه عليه السلام مرتين ليكمل له الأمر مرة في عالم الكون والفساد وأخرى في المحل الأنزه الأعلى وانما قام بصورته ليؤكدان ما يأتيه في صورة دحية هو هو فإنه إذا رآه في صورة نفسه عرفه حق معرفته ولم يبق عليه اشتباه