الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
118
تفسير روح البيان
من مساويك الا القليل منهم فيكون علم المعاصي متفرقا فيهم انتهى وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ السكرة استعارة لشدة الموت وغمرته الذاهبة بالعقل انما لم يجعل الموت استعارة بالكناية ثم اثبات السكرة له تخييلا لان المقام أدعى للاستعارة التحقيقية وعبر عن وقوعها بالماضي إيذانا تحققها وغاية اقترابها حتى كأنها قدأتت وحضرت كما قيل قد أتاكم الجيش اى قرب إتيانه والباء اما للتعدية كما في قولك جاء الرسول بالخبر والمعنى حضرت سكرة الموت اى شدته التي تجعل الإنسان كالسكران بحيث تغشاه وتغلب على عقله حقيقة الأمر الذي نطق به كتاب اللّه ورسله أو حقيقة الأمر وجلية الحال من سعادة الميت وشقاوته واما للملابسة كالتي في قوله تعالى تنبت بالدهن اى ملتبسة بالحق اى بحقية الأمر أو بالحكمة والغاية الجميلة وقال بعضهم أتت وحضرت بأمر اللّه الذي هو حق ( وحكى ) ان رجلا أتى عمر رضى اللّه عنه فقال إني أحب الفتنة واكره الحق وأشهد بما لم أره فحبسه عمر رضى اللّه عنه فبلغت قصته عليا رضى اللّه عنه فقال يا عمر حبسته ظلما فقال كيف ذلك قال لأنه يحب المال والولد قال تعالى انما أموالكم وأولادكم فتنة ويكره الموت وهو الحق قال تعالى وجاءت سكرة الموت بالحق ويشهد بأن اللّه واحد لم يره فقال عمر لولا على لهلك عمر ذلِكَ اى يقال للميت بلسان الحال وان لم يكن بلسان القال أو تقول ملائكة ذلك الموت يا انسان ما موصولة اى الأمر الذي كُنْتَ في الدنيا مِنْهُ متعلق بقوله تَحِيدُ من حاد عنه يحيد حيدا إذا مال عنه اى تميل وتهرب منه وبالفارسية مىكريختى ومىترسيدى وأو را مكروه ميداشتى بل تحسب انه لا ينزل عليك بسبب محبتك الحياة الدنيا كما في قوله أو لم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال اى أقسمتم بألسنتكم بطرا وأشرا وجهلا وسفها أو بألسنة الحال حيث بنيتم مشيدا واملتم بعيدا ولم تحدثوا أنفسكم بالانتقال منها إلى هذه الحالة فكأنكم ظننتم انكم مالكم من زوال مما أنتم عليه من التمتع بالحظوظ الدنيوية فالخطاب في الآية للانسان المتقدم على طريق الالتفات فان النفرة عن الموت شاملة لكل فرد من افراده طبعا ويعضده ما روى عن عائشة رضى اللّه عنها انها قالت أخذت أبا بكر غشية من الموت فبكيت عليه فقلت من لا يزال دمعه مقنعا * لا بد يوما انه مهراق فأفاق أبو بكر رضى اللّه عنه فقال بل جاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد وما روى أنها قالت إن من نعم اللّه على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم توفى في بيتي وبين سحرى ونحرى وان اللّه جمع بين ريقى وريقه عند موته ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر رضى اللّه عنه على وبيده سواك وانا مسندة رسول اللّه فرأيته ينظر اليه وعرفت انه بحب السواك فقلت آخذه لك فأشار برأسه أن نعم فتناوله فاشتد عليه فقلت ألينه لك فأشار برأسه أن نعم فلينته فأمره وبين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول لا اله الا اللّه ان للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده وجوز في الكشاف أن تكون الإشارة إلى الحق والخطاب للفاجر وهذا هو الظاهر لان الكلام