الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

115

تفسير روح البيان

بتصفية باطنه ليستعد للوصول وانما الوصول هو ان ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقا به فان نظر إلى معرفته فلا يعرف الا اللّه وان نظر إلى همه فلاهم له سواه فيكون كله مشغولا بكله مشاهدة وهما لا يلتفت في ذلك إلى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة وباطنه بتهذيب الأخلاق وكل ذلك طهارة وهي البداءة وانما النهاية أن ينسلخ عن نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول كما في شرح الأسماء الحسنى للامام الغزالي رحمه اللّه إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ منصوب با ذكر وهو أولى لبقاء قوله ونحن إلخ على إطلاقه أو بما في أقرب من معنى الفعل والتلقي الاخذ والتلقن بالحفظ والكتابة والمعنى انه لطيف يتوصل علمه إلى ما لا شيء أخفى منه وهو أقرب إلى الإنسان من كل قريب حين يتلقى ويتلقن ويأخذ الحفيظان اى الملكان الموكلان بالإنسان ما يتلفظ به وفيه اى على الوجه الثاني إيذان بأنه تعالى غنى عن استحفاظهما لإحاطة علمه بما يخفى عليهما وانما ذلك لما في كتبهما وحفظهما لاعمال العبد وعرض صحائفهما يوم يقوم الاشهاد وعلم العبد بذلك مع علمه بأحاطته تعالى بتفاصيل أحواله خبرا من زيادة اللطف له في الكف عن السيئات والرغبة في الحسنات وعنه عليه السلام ان مقعد ملكيك على ثنيتيك ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجرى فيما لا يعينك لا تستحيي من اللّه ولا منهما وقد جوز أن يكون تلقى الملكين بيانا للقرب على معنى انا أقرب اليه مطلعون على اعماله لان حفظتنا وكتبتنا موكلون به عَنِ الْيَمِينِ هو أشرف الجوارح وفيه القوة التامة وَعَنِ الشِّمالِ هو مقابل اليمين قَعِيدٌ اى عن جانب اليمين قعيد أي مقاعد كالجليس بمعنى المجالس لفظا ومعنى فحذف الأول لدلالة لا الثاني عليه وقيل يطلق الفعيل على الواحد والمعتدد كما في قوله والملائكة بعد ذلك ظهير ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ما يرمى به من فيه من خير أو شر والقول أعم من الكلمة والكلام إِلَّا لَدَيْهِ مكر نزديك أو رَقِيبٌ ملك يرقب قوله ذلك ويكتبه فإن كان خيرا فهو صاحب اليمين بعينه والا فهو صاحب الشمال عَتِيدٌ اى معد مهيأ لكتابة ما أمر به من الخير أو الشر فهو حاضر أينما كان وبالفارسية رقيب نكهبانى وديده باني بود عتيد آماده في الحال نويسد والافراد حيث لم يقل رقيبان عتيدان مع وقوفهما معا على ما صدر عنه لما ان كلا منهما رقيب لما فوض اليه لا لما فوض إلى صاحبه كما ينبئ عنه قوله تعالى عتيد وتخصيص القول بالذكر لاثبات الحكم في الفعل بدلالة النص واختلف فيما يكتبانه فقيل يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه وقيل انما يكتبان ما فيه اجر ووزر وهو الأظهر كما ينبئ عنه قوله عليه السلام كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل وكاتب الحسنات أمير أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر قيل إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه ولذاكره الكلام في الخلاء وعند قضاء الحاجة أشد كراهة لان الحفظة تتأذى بالحضور في ذلك الموضع الكريه لأجل كتابة الكلام فان سلم عليه في هذه الحالة قال الامام أبو حنيفة رحمه اللّه يرد السلام بقلبه لا بلسانه لئلا يلزم كتابة الملائكة