الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
62
تفسير روح البيان
هو الفلك وهي خليفة الشمس والقمر في الإضاءة والحرارة وهي ألطف من الأرض وهي مشرقة وهي شبيه الروح واشرف الأعضاء القلب والروح وهما على طبيعة النار وكل جسم أشبه النار كالذهب والياقوت فهو اشرف والشمس اشرف الأجسام وهي تشبه النار في الطبع والصورة وأيضا لم يتم المزاج الا بالحرارة ومآل كل هذه إلى أن أصله خير فهو خير وهذا ممنوع ولذا قال من قال أتفخر باتصالك من علىّ * وأصل البولة الماء القراع وليس بنافع نسب زكى * تدنسه صنائعك القباح فيجوز ان يكون أصل أحد الشيئين أفضل وينضم اليه ما يقتضى مرجوحيته كما في إبليس فإنه قد انضم إلى أصله عوارض رديئة كالكبر والحسد والعجب والعصيان فاقتضت اللعنة عليه . وامر آدم عليه السلام بالعكس وقال في آكام المرجان اعلم أن هذه الشبهة التي ذكرها إبليس انما ذكرها على سبيل التعنت والا فامتناعه عن السجود لآدم انما كان عن كبر وكفر ومجرد اباء وحسد ومع ذلك فما أبداه من الشبهة فهو داحض اى باطل لأنه رتب على ذلك أنه خير من آدم لكونه خلق من نار وآدم خلق من طين ورتب على هذا انه لا يحسن منه الخضوع لمن هو دونه وهذا باطل من وجوه الأول ان النار طبعها الفساد وإتلاف ما تعلقت به بخلاف التراب فإنه إذا وضع القوت فيه أخرجه أضعاف ما وضع فيه بخلاف النار فإنها آكلة لا تبقى ولا تذر والثاني ان النار طبعها الخفة والطيش والحدة والتراب طبعه الرزانة والسكون والثبات والثالث ان التراب يتكون فيه ومنه أرزاق الحيوانات وأقواتهم ولباس العباد وزينهم وآلات معايشهم ومساكنهم والنار لا يتكون فيها شئ من ذلك والرابع ان التراب ضروري للحيوان لا يستغنى عنه البتة ولا عما يتكون فيه ومنه والنار يستغنى عنها الحيوان مطلقا وقد يستغنى عنها الإنسان أياما وشهورا فلا تدعوه إليها ضرورة والخامس ان النار لا تقوم بنفسها بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به يكون حاملا لها والتراب لا يفتقر إلى حامل فالتراب أكمل منها لغناه وافتقارها والسادس ان النار مفتقرة إلى التراب وليس بالتراب فقر إليها فان المحل الذي تقوم به النار لا يكون الا متكونا من التراب أو فيه فهي المفتقرة إلى التراب وهو الغنى عنها والسابع ان المادة الإبليسية هي المارج من النار وهو ضعيف تتلاعب به الاهوية فيميل معها كيفما مالت ولهذا غلب الهوى على المخلوق منه فاسره وقهره ولما كانت المادة الآدمية هي التراب وهو قوى لا يذهب مع الهواء أينما ذهب فهو قهر هواه واسره ورجع إلى ربه فاجتباه فكان الهواء الذي مع المادة الآدمية عارضا سريع الزوال فزال فكان الثبات والرزانة أصلا له فعاد اليه وكان إبليس بالعكس من ذلك فعاد كل منهما إلى أصله وعنصره آدم إلى أصله الطيب الشريف واللعين إلى أصله الرديء الخبيث والثامن ان النار وان حصل بها بعض المنفعة من الطبخ والتسخين والاستضاءة بها فالشر كامن فيها لا يصدها عنه إلا قسرها وحبسها ولولا القاسر والحابس لها لا فسدت الحرث والنسل واما التراب فالخير والبركة كامن فيه