الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

500

تفسير روح البيان

في بدر وَلكِنْ لم يشأ ذلك لِيَبْلُوَا تا بيازمايد بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ فامركم بالقتال وبلاكم بالكافرين لتجاهدوهم فتستوجبوا الثواب العظيم بموجب الوعد والكافرين بكم ليعاجلهم على أيديكم ببعض عذابهم كي يرتدع بعضهم عن الكفر وفي الآية إشارة إلى كافر النفس حيثما وجدتموه وهو يمد رأسه إلى مشرب من مشارب الدنيا ونعيمها فاضربوا عنق ذلك الرأس وادفعوه عن ذلك المشرب حتى إذا غلبتموهم اى النفوس وسخرتموهم فشدوهم بوثاق أركان الشريعة وآداب الطريقة فإنه بهذين الجناحين يطير صاحب الهمم العلية إلى عالم الحقيقة فاما منا على النفوس بعد الوصول بترك المجاهدة واما فداء بكثرة العبادة عوضا عن ترك المجاهدة بعد الظفر بالنفوس واما قتل النفوس بسيف المخالفة فإنه في مذهب أرباب الطلب يجوز كل ذلك بحسب نظر كل مجتهد فان كل مجتهد منهم مصيب وذلك إلى أن يجد الطالب المطلوب ويصل العاشق إلى المعشوق بأن جرى على النفس بعد الظفر بها مسامحة في إغفاء ساعة وإفطار يوم ترويحا للنفس من الكد واجماعا للحواس قوة لها على الباطل فيما يستقبل من الأمر فذلك على ما يحصل به استصواب من شيخ المريد أو فتوى لسان القوم أو فراسة صاحب الوقت ولو شاء اللّه لقهر النفوس بتجلى صفات الجلال بغير سعى المجاهد في القتال ولكن إلخ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اى استشهدوا يوم بدر ويوم أحد وسائر الحروب فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ اى فلن يضيعها بل يثيب عليها سَيَهْدِيهِمْ في الدنيا إلى ارشد الأمور وفي الآخرة إلى الثواب وعن الحسن بن زياد يهديهم إلى طريق الثواب في جواب منكر ونكير وفيه أن أهل الشهادة لا يسألون وَيُصْلِحُ بالَهُمْ اى شأنهم وحالهم بالعصمة والتوفيق والظاهر أن السين للتأكيد والمعنى يهديهم اللّه البتة إلى مقاصدهم الأخروية ويصلح شانهم بإرضاء خصائهم لكرامتهم على اللّه بالجهاد والشهادة وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ الجملة مستأنفة اى عرفها لهم في الدنيا بذكر أوصافها بحيث اشتاقوا إليها أو بينها لهم بحيث يعلم كل أحد منزله ويهتدى اليه كأنه كان ساكنه منذ خلق وفي الحديث لأحدكم بمنزله في الجنة أعرف منه بمنزله في الدنيا وفي المفردات عرفه جعل له عرفا اى رائحة طيبة فالمعنى زينها لهم وطيبها وقال بعضهم حددها لهم وافرزها من عرف الدار فجنة كل منهم محددة مفرزة ومن فضائل الشهداء انه ليس أحد يدخل الجنة ويحب ان يخرج منها ولو اعطى ما في الدنيا جميعا الا الشهيد فإنه يتمنى ان يرده اللّه إلى الدنيا مرارا فيقتل في سبيل اللّه كما قتل أولا لما يرى من عظيم كرامة الشهداء على اللّه تعالى ومن فضائلهم ان الشهادة في سبيل اللّه تكفر ما على العبد من الذنوب التي بينه وبين اللّه تعالى وفي الحديث يغفر للشهيد كل شئ الا الدين والمراد بالدين كل ما كان من حقوق الآدميين كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد والجراحة وغير ذلك من التبعات وكذلك الغيبة والنميمة والسخرية وما أشبه ذلك فان هذه الحقوق كلها لا بد من استيفائها لمستحقها وقال القرطبي الدين الذي يحبس صاحبه عن الجنة هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوص به أو قدر على الأداء فلم يؤده أو ادانه على سفه أو سرف ومات ولم يوفه واما من ادان في حق واجب كفاقة وعسر ومات ولم يترك وفاء فان اللّه