الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
429
تفسير روح البيان
الأمانة التي هي ضد الخيانة وهي في الحقيقة صفة صاحب المكان لكن وصف به المكان بطريق الاستعارة التخييلية كأن المكان المخيف يحزن صاحبه وناز له بما يلقى فيه من المكاره أو كناية لان الوصف إذا أثبت في مكان الرجل فقد أثبت له لقولهم المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه كما في بحر العلوم وفي الآية إشارة إلى أن من اتقى باللّه عما سواه يكون مقامه مقام الوحدة آمنا من خوف الاثنينية وإلى أن من كان في الدنيا على خوف العذاب ووجل الفراق كان في الآخرة على أمن وأمان وقال بعضهم المقام الأمين مجالسة الأنبياء والأولياء والصديقين والشهداء يقول الفقير اما مجالستهم يوم الحشر فظاهرة لان فيها الامن من الوقوع في العذاب إذ هم شفعاء عند اللّه واما مجالستهم في الدنيا فلان فيها الامن من الشقاوة إذ لا يشقى بهم جليسهم وفي الآية إشارة أخرى لائحة للبال وهي ان المقام الأمين هو مقام القلب وهي جنة الوصلة ومن دخله كان آمنا من شر الوسواس الخناس لأنه لا يدخل الكعبة التي هي إشارة إلى مقام الذات كما لا يقدر على الوسوسة حال السجدة التي هي إشارة إلى الفناء في الذات الأحدية قال أهل السنة كل من اتقى الشرك صدق عليه انه متق فيدخل الفساق في هذا الوعد يقول الفقير الظاهر أن المطلق مصروف على الكامل بقرينة ان المقام مقام الامتنان والكامل هو المؤمن المطيع كما أشرنا اليه في عنوان الآية نعم يدخل العصاة فيه انتهاء وتبعية لا ابتداء وأصالة كما يدل عليه الوعيد الوارد في حقهم والا لاستوى المطيع والعاصي وقد قال تعالى أم نجعل المتقين كالفجار عفا اللّه عنا وعنكم أجمعين ( قال الشيخ السعدي ) كسى را كه با خواجهء تست جنك * بدستش چرا مىدهى چوب وسنك مع آخر كه باشد كه خوانش نهند * بفرماى تا استخوانش نهند فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ بدل من مقام جيىء به دلالة على نزاهته واشتماله على طيبات المآكل والمشارب والمراد بالعيون الأنهار الجارية والتنكير فيهما للتعظيم يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ خبر ثان وإستبرق بقطع الهمزة وقرأ الخليل بوصلها قال في كشف الاسرار السندس مارق من الحرير يجرى مجرى الشعار لهم وهو اللين من الدثار في المعتاد والإستبرق ما غلظ منه وصفق نسجه يجرى مجرى الدثار وهو ارفع نوع من أنواع الحرير والحرير نوعان نوع كلما كان ارق كان أنفس ونوع كلما كان أرزن بكثرة الإبريسم كان أنفس يقول الفقير يحتمل عندي ان يكون السندس لباس المقربين والإستبرق لباس الأبرار يدل عليه ان شراب المقربين هو التسنيم الخالص وشراب الأبرار هو الرحيق الممزوج به وذلك ان المقربين أهل الذات والأبرار أهل الصفات فكما أن الذات ارق من الصفات فكذا لباس أهل الذات وشرابهم أرق وأصفى من لباس أهل الصفات وشرابهم ثم إن الإستبرق من كلام العجم عرب بالقاف قال في القاموس الإستبرق الديباج الغليظ معرب استروه وتصغيره أبيرق وستبر بالتاء والطاء بمعنى الغليظ بالفارسية قال الجواليقي في المعربات نقل الإستبرق من العجمية إلى العربية فلو حقر أو كسر لكان في التحقير أبيرق وبالتكسير أباريق بحذف السين والتاء جميعا انتهى والتعريب جعل العجمي بحيث يوافق اللفظ العربي بتغييره عن منهاجه واجرائه على أوجه الاعراب وجاز وقوع اللفظ العجمي في القرآن العربي لأنه إذا عرب خرج من أن يكون عجميا إذا