الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
412
تفسير روح البيان
كثير البخارات الرديئة التي تولد الأدواء وتفسد الغذاء وبين جبل وبريابس صلد ولشدة يبسه لا تنبت فيه خضراء ولا تنفجر فيه عين ماء انتهى وَزُرُوعٍ جمع زرع وهو ما استنبت بالبذر تسمية بالمصدر من زرع اللّه الحرث إذا أنبته وأنماه قال في كشف الاسرار وفنون الأقوات وألوان الأطعمة اى كانوا أهل ريف وخصب خلاف حال العرب وَمَقامٍ كَرِيمٍ محافل مزينة ومنازل محسنة وَنَعْمَةٍ اى تنعم ونضارة عيش وبالفارسية وأسباب تنعم وبرخوردارى يقال كم ذي نعمة لا نعمة له اى كم ذي مال لا تنعم له فالنعمة بالكسر ما أنعم به عليك والنعمة بالفتح التنعم وهو استعمال ما فيه النعومة واللين من المأكولات والملبوسات وبالفارسية بناز زيستن كانُوا فِيها فاكِهِينَ متنعمين متلذذين ومنه الفاكهة وهي ما يتفكه به اى يتنعم ويتلذذ بأكله كَذلِكَ الكاف في حيز النصب وذلك إشارة إلى مصدر فعل يدل عليه تركوا اى مثل ذلك السلب سلبناهم إياها وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ فهو معطوف على الفعل المقدر وايراثها تمليكها مخلفة عليهم أو تمكينهم من التصرف فيها تمكين الوارث فيما يرثه اى جعلنا أموال القبط لقوم ليسوا منهم في شئ من قرابة ولا دين ولا ولاء وهم بنوا إسرائيل كانوا مسخرين لهم مستعبدين في أيديهم فأهلكهم اللّه وأورثهم ديارهم وملكهم وأموالهم وقيل غيرهم لأنهم لم يعودوا إلى مصر قال قتادة لم يرو في مشهور التواريخ انهم رجعوا إلى مصر ولا ملكوها قط ورد بأنه لا اعتبار بالتواريخ فالكذب فيها كثير واللّه تعالى أصدق قيلا وقد جاء في الشعراء التنصيص بايراثها بني إسرائيل كذا في حواشي سعدى المفتى قال المفسرون عند قوله تعالى عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض اى يجعلكم خلفاء في ارض مصر أو في الأرض المقدسة وقالوا في قوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها اى ارض الشام ومشارقها ومغاربها جهاتها الشرقية والغربية ملكها بنوا إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة بعد انقضاء مدة التيه وتمكنوا في نواحيها فاضطرب كلامهم فتارة حملوا الأرض على ارض مصر وأخرى على ارض الشام والظاهر الثاني لان المتبادر استخلاف أنفس المستضعفين لا أولادهم ومصر انما ورثها أولادهم لأنها فتحت في زمان داود عليه السلام ويمكن ان يحمل على ارض الشام ومصر جميعا والمراد بالمستضعفين هم وأولادهم فان الأبناء ينسب إليهم ما ينسب إلى الآباء واللّه اعلم وفي الآية إشارة إلى ترك بحر الفضل رهوا اى مشقوقا بعصا الذكر لان فرعون النفس وصفاتها فانون في بحر الوحدة تاركون لجنات الشهوات وعيون المستلذات الحيوانية وزروع الآمال الفاسدة والمقامات الروحانية بعبورهم عليها وسائر تنعمات الدنيا والآخرة بالسير والاعراض عنها وبقوله كذلك وأورثنا إلى إلخ يشير ان الصفات النفسانية وان فنيث بتجلى الصفات الربانية فمهما يكن القالب باقيا بالحياة يتولد منه الصفات النفسانية إلى أن تفنى هذه الصفات بالتجلي أيضا ولو لم تكن هذه المتولدات ما كان للسائر الترقي فافهم جدا فإنه بهذا الترقي يعبر السائر عن المقام الملكي لأنه ليس للملك الترقي من مقامه كما قال تعالى وما منا إلا له مقام معلوم فالكمال الملكي دفعي ثم لا ترقى بعده والكمال البشرى تدريجي ولا ينقطع سيره ابدا لا في الدنيا ولا في الآخرة واللّه