الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
350
تفسير روح البيان
أنزلناه بغير لغة العرب ما فهمتموه فقوله انا جعلناه قرءانا عربيا جواب للقسم لكن لا على أن مرجع التأكيد جعله كذلك كما قيل بل ما هو غايته التي يعرب عنها قوله تعالى لعلكم تعقلون فإنها المحتاجة للتأكيد لكونها منبئة عنى الاعتناء بأمرهم وإتمام النعمة عليهم وإزاحة اعذارهم كذا في الإرشاد وقال بعضهم أقسم بالقرءان على أنه جعله قرءانا عربيا فالقسم والمقسم عليه من بدائع الاقسام لكونهما من واحد فالمقسم به ذات القرآن العظيم والمقسم عليه وصفه وهو جعله قرءانا عربيا فتغايرا فكأنه قيل والقرآن المبين انه ليس بمجرد كلام مفترى على اللّه وأساطير بل هو الذي تولينا انزاله على لغة العرب فهذا هو المراد بكونه جوابا لا مجرد كونه عربيا إذ لا يشك فيه وانما جعله مقسما به إشارة إلى أنه ليس عنده شئ أعظم قدرا وأرفع منزلة منه حتى يقسم به فان المحب لا يؤثر على محبوبه شيأ فاقسم ليكون قسمه في غاية الوكادة وكذا لا أهم من وصفه فيقسم عليه وَإِنَّهُ اى ذلك الكتاب فِي أُمِّ الْكِتابِ اى في اللوح المحفوظ فإنه أصل الكتاب اى جنس الكتب السماوية فان جميعها مثبتة فيه على ما هي عليه عند الأنبياء ومأخوذة مستنسخه منه قال الراغب قوله في أم الكتاب اى في اللوح المحفوظ وذلك لكون كل منسوبا اليه ومتولدا فيه والكتاب اسم للصحيفة مع المكتوب فيها لَدَيْنا اى عندنا لَعَلِيٌّ رفيع القدر بين الكتب شريف حَكِيمٌ ذو حكمة بالغة أو محكم لا يتطرق اليه نسخ بكتاب آخر ولا تبديل وهما اى على وحكيم خبر ان لان وما بينهما بيان لمحل الحكم كأنه قيل بعد بيان اتصافه بما ذكر من الوصفين الجليلين هذا في أم الكتاب الذي هو اشرف مكان وأعزه لدينا والجملة استئناف لا محل لها من الاعراب وهذا كما قال في الجلالين يريد انه يثبت عند اللّه في اللوح المحفوظ بهذه الصفة واعلم أن اللوح المحفوظ خلقه اللّه تعالى من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور عرضه كما بين السماء والأرض ينظر اللّه تعالى فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق بكل نظرة ويحيى ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء وفي الخبر إن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ كل حرف منها بقدر جبل قاف وان تحت كل حرف معاني لا يحيط بها الا اللّه تعالى ولذا لم يقم لفظ مقام لفظه ولا حرف مقام حرفه فهو معجز من حيث اللفظ والمعنى ولما كان القلب الإنساني هو اللوح الحقيقي المعنوي نزل على قلبه عليه السلام القرآن واستقر فيه إلى الأبد دنيا وآخرة وكذا نزل من حيث المعنى على قلوب ورثته عليه السلام كما اخبر عنه أبو يزيد قدس سره وكما أن اللّه تعالى ينظر كل يوم في اللوح المحفوظ ثلاثمائة وستين نظرة كذلك ينظر في لوح القلب ذلك العدد فيمحو ما يشاء ويثبت والمراد باليوم هو اليوم الآتي المنبسط عند اللّه إلى الف سنة وأشير إليها بعدد أيام السنة فافهم جدا فإن كان القلب لوح اللّه تعالى فينبعى للعبد ان يمحو عنه آثار الغير ويزينه بما يليق به فإنه لمنظر الإلهي قال بعض الكبار إذا كان ميل المرء إلى الشهوة والصورة والخلق يشتغل بتزيين ظاهره باللباس المعتبر عند الناس وإذا كان ميله إلى المحبة والحقيقة والحق يشتغل بتزيين باطنه بما يعتبر عند اللّه ولا يلتفت إلى ظاهره بل يكتفى بما يحفظه من الحر والبرد اى شئ كان وقال بعض الكبار تتبع كتاب اللّه في الليل والنهار يوصلك إلى مقام لاحرار لان كل ما يؤدى