الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

184

تفسير روح البيان

أخرى له وتتأكد العقوبة وذلك لأن اللّه تعالى هدمه بعد بنائه على ما سبق في القصص وأيضا هذا من مقتضى التكبر والتجبر الذي نقل عنه كما مثله عن بخت نصر فإنه أيضا لغاية عتوه واستكباره بنى صرحا ببابل على ما سبقت قصته وأيضا كيف يكون من الدهرية والمنقول المتواتر عنه أنه كان يتضرع إلى اللّه تعالى في خلوته لحصول مهامه ومن اللّه الفهم والعناية والدراية ويدل على ما ذكرنا أيضا قوله تعالى وَكَذلِكَ اى ومثل ذلك التزيين البليغ المفرط زُيِّنَ آرايش داده شد لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ اى عمله السيّء فانهمك فيه انهما كالا يرعوى عنه بحال وَصُدَّ صرف ومنع عَنِ السَّبِيلِ اى سبيل الرشاد والفاعل في الحقيقة هو اللّه تعالى وبالتوسط هو الشيطان ولذا قال زين لهم الشيطان أعمالهم وهذا عند أهل السنة واما عند المعتزلة فالمزين والصاد هو الشيطان وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ ونبود مكر فرعون در ساختن قصر ودر ابطال آيات إِلَّا فِي تَبابٍ اى خسار وهلاك وفي التأويلات النجمية يشير إلى أن من ظن أن اللّه سبحانه وتعالى في السماء كما ظن فرعون فإنه فرعون وقته ولو لم يكن من المضاهاة بين من يعتقد أن اللّه سبحانه في السماء وبين الكافر الا هذا لكفى به في زيغ مذهبه وغلط اعتقاده فان فرعون غلط إذ توهم ان اللّه في السماء ولو كان في السماء لكان فرعون مصيبا في طلبه من السماء وقوله وكذلك إلخ يدل على أن اعتقاده بأن اللّه في السماء خطأ وانه بذلك مصدود عن سبيل اللّه وما كيد فرعون في طلب اللّه من السماء الا في تباب اى خسران وضلال انتهى وعن النبي عليه السلام ان اللّه تعالى احتجب عن البصائر كما احتجب عن الابصار وان الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم يعنى لو كان في السماء لما طلبه أهل السماء ولو كان في الأرض لما طلبه أهل الأرض فإذا هو الآن على ما كان عليه قبل من التنزه عن المكان وفي هدية المهديين إذا قال اللّه في السماء وأراد به المكان يكفر اتفاقا لأنه ظاهر في التجسيم وان لم يكن له نية يكفر عند أكثرهم وان أراد به الحكاية عن ظاهر الاخبار لا يكفر وعن معاوية بن الحكم السلمى رضى اللّه عنه أنه قال أتيت رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم فقلت يا رسول اللّه ان جارية لي كانت ترعى غنما لي فجئتها وفقدت شاة من الغنم فسألتها عنها فقالت أكلها الذئب فاسفت عليها وكنت من بني آدم فلطمتها اى على وجهها وعلى رقبتها أفأعتقها عنها فقال لها رسول اللّه اين اللّه فقالت في السماء فقال من انا فقالت أنت رسول اللّه فقال عليه السلام أعتقها فإنها مؤمنة . اعلم أنه قد دل الدليل العقلي على استحالة حصر الحق في أينية والشارع لما علم أن الجارية المذكورة ليس في قوتها ان تتعقل موجدها الأعلى تصوير في نفسها خاطبها بذلك ولو أنه خاطبها بغير ما تصورته في نفسها لارتفعت الفائدة المطلوبة ولم يحصل القبول فكان من حكمته عليه السلام ان سأل مثل هذه الجارية بمثل هذا السؤال وبمثل هذه العبارة ولذلك لما أشارت إلى السماء قال فيها انها مؤمنة يعنى مصدقة بوجود اللّه تعالى ولم يقل انها عالمة لأنها صدقت قول اللّه وهو اللّه في السماوات ولو كانت عالمة لم تقيده بالسماء فعلم أن للعالم ان يصحب الجاهل في جهله تنزلا لعقله والجاهل لا يقدر على صحبته العالم بغير تنزل كذا في الفتوحات