الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

166

تفسير روح البيان

أحوالهم كي يشهدوا عليهم يوم القيامة وليكون ظلة لأهل المحشر من الأبرار والمقربين يوم تبدل السماوات والأرض وليكون محلا لاظهار شرف محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم كما قال تعالى عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا وهو مقام تحت العرش فيه يظهر اثر الشفاعة العظمى للمؤمنين ويقال إن اللّه تعالى رفع من كل شئ شيأ المسك من الطيب والعرش من الأماكن والياقوت من الجواهر والشمس من الأنوار والقرآن من الكتب والعسل من الحلوى والحرير من اللباس والزيتون من الأشجار والأسد من السباع وشهر رمضان من الشهور والجمعة من الأيام وليلة القدر من الليالي والتوحيد من المقال والصلاة من الفعال ومحمدا عليه السلام من الرسل وأمته من الأمم هذا إذا كان العرش بمعنى الجسم المحيط ويقال العرش الملك والبسطة والعز يقال فلان ثل عرشه اى زالت قوته ومكنته وروى أن عمر رضى اللّه عنه رؤى في المنام فقيل له ما فعل اللّه بك قال لولا ان تداركني اللّه لئل عرشي فيكون معنى ذو العرش على ما في التأويلات النجمية ذو الملك العظيم لأنه تعالى خلقه ارفع الموجودات وأعظمها جثة إظهارا للعظمة وأيضا ذو عرش القلوب فإنها العرش الحقيقي لأن اللّه تعالى استوى على العرش بصفة الرحمانية ولا شعور للعرش به واستوى على قلوب أوليائه بجميع الصفات وهم العلماء باللّه مستغرقين في بحر معرفته فإذا كان العرش الصوري والمعنوي في قبضة قدرته وهو مستول عليه ومتصرف فيه لا مالك ولا متصرف له غيره لا يصح ان يشرك به مطلقا بل يجب ان يعبد ظاهرا وباطنا حقا وصدقا يُلْقِي الرُّوحَ بيان لانزال الرزق المعنوي الروحاني من الجانب العلوي بعد بيان إنزال الرزق الجسماني منه ولذا وصف نفسه بكونه رفيع الدرجات وذا العرش لأن آثار الرحمة مطلقا انما تظهر من جانب السماء خصوصا العرش مبدأ جميع الحركات والمعنى ينزل الوحي الجاري من القلوب منزلة الروح من الأجساد فكما ان الروح سبب لحياة الأجسام كذلك الوحي سبب لحياة القلوب فان حياة القلوب انما هي بالعارف الإلهية الحاصلة بالوحي فاستعير الروح للوحي لأنه يحيى به القلب يخروجه من الجهل والحيرة إلى المعرفة والطمأنينة وسمى جبرائيل روحا لأنه كان يأتي الأنبياء بما فيه حياة القلوب وسمى عيسى روح اللّه لأنه كان من نفخ جبرائيل وأضيف إلى اللّه تعظيما . واعلم أن ما سوى اللّه تعالى اما جسماني واما روحاني والقسمان مسخران تحت تسخيره تعالى اما الجسماني فاعظمه العرش فقوله ذو العرش يدل على استيلائه على جميع عالم الأجسام كله وقوله يلقى الروح يدل على أن الروحانيات أيضا مسخرات لامره فان جبرائيل إذا كان مسخرا له في تبليغ الوحي إلى الأنبياء وهو من أفاضل الملائكة فما ظنك بغيره واما الوحي نفسه فهو من الأمور المعنوية وانما يتصور بصورة اللفظ عند الإلقاء مِنْ أَمْرِهِ بيان للروح الذي أريد به الوحي فإنه امر بالوحي وبعث للمكلف عليه فيما يأتيه ويذره فليس المراد بالأمر هنا ما هو بمعنى الشان أو حال منه اى حال كونه ناشئا ومبتدأ من امره تعالى عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهو الذي اصطفاه لرسالته وتبليغ الأحكام إليهم وقال الضحاك الروح جبرائيل اى يرسله إلى من يشاء من أجل امره يخاطب بهذا