الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
16
تفسير روح البيان
الحكم في شرعنا أيضا بذلك لأنه اسدّ الطرق وأحسن الوسائل في كل مسئلة من المسائل لكل سائل وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ استفهام معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما في حيزه للايذان بأنه من الاخبار البديعة التي حقها ان لا تخفى على أحد . والنبأ الخبر العظيم والخصم بمعنى المخاصم وأصل المخاصمة ان يتعلق كل واحد بخصم الآخر بالضم اى جانبه ولما كان الخصم في الأصل مصدرا متساويا افراده وجمعه اطلق على الجمع في قوله تعالى إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ يقال تسور المكان إذا علا سوره وسور المدينة حائطها المشتمل عليها وقد يطلق على حائط مرتفع وهو المراد هنا . والمراد من المحراب البيت الذي كان داود عليه السلام يدخل فيه ويشتغل بطاعة ربه قيل كان ذلك البيت غرفة وسمى ذلك البيت محرابا لاشتماله على المحراب على طريقة تسمية الشيء بأشرف اجزائه وإذ متعلقة بمحذوف وهو التحاكم اى نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا المحراب اى تصعدوا سور الغرفة ونزلوا اليه . والمراد بالخصم المتسورين جبرائيل وميكائيل بمن معهما من الملائكة على صورة المدعى والمدعى عليه والشهود والمزكين من بني آدم إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ بدل مما قبله فَفَزِعَ مِنْهُمْ الفزع انقباض ونفار يعترى الإنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الجزع ولا يقال فزعت من اللّه كما يقال خفت منه وانما فزع منهم لأنه كان الباب مغلقا وهو يتعبد في البيت فنزلوا عليه بغتة من فوق اى من غير الباب على خلاف العادة وفيه إشارة إلى كمال ضعف البشرية مع أنه كان أقوى الأقوياء إذ فزع منهم ولعل فزع داود كان لاطلاع روحه على أنه تنبيه له وعتاب فيما سلف منه كما سيأتي فلما رأوه فزعا قالُوا إزالة لفزعه لا تَخَفْ منا قال في التأويلات النجمية يشير إلى أنه لا تخف من صورة أحوالنا فانا جئنا لتحكم بيننا بالحق ولكن خف من حقيقة أحوالنا فإنها كشف أحوالك التي جرت بينك وبين خصمك أوريا خَصْمانِ اى نحن فريقان متخاصمان على تسمية مصاحب الخصم خصما تجوزا والحاصل انه اطلق لفظ الخصم فيما سبق على الجمع بدليل تسوروا ثم ثنى بتأويل الفريق وهم وان لم يكونوا فريقين بل شخصين اثنين بدليل ان هذا أخي الآية لكن جعل مصاحب الخصم خصما فكانا بمن معهما فريقين من الخصوم فحصل الانطباق بين صيغة التثنية في قوله خصمان وبين ما مر من إرادة الجمع بَغى [ ستم وجور كرد ] بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ هو على الفرض وقصد التعريض بداود لا على تحقيق البغي من أحدهما فلا يلزم الكذب إذ الملائكة منزهون عنه فلا يحتاج إلى ما قيل إن المتخاصمين كانا لصين دخلا عليه للسرقة فلما رآهما اخترعا الدعوى كما في شرح المقاصد فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ بالعدل : وبالفارسية [ پس حكم كن در ميان ما براستى ] وَلا تُشْطِطْ [ الاشطاط : پيدا كردن واز حد در كذشتن ] من الشطط وهو مجاوزة الحد وتخطى الحق . والمعنى لا تجر في الحكومة وهو تأكيد للامر بالحكم بالحق والمقصود من الأمر والنهى الاستعطاف وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ إلى وسط طريق الحق بزجر الباغي عما سلكه من طريق الجور وإرشاده إلى منهاج العدل إِنَّ هذا استئناف لبيان ما فيه الخصومة أَخِي في الدين أو في الصحبة