الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
497
تفسير روح البيان
اى لاخلصنا العبادة للّه ولما خالفنا كما خالفوا فَكَفَرُوا بِهِ الفاء فصيحة اى فجاءهم ذكر أي ذكر سيد الأذكار وكتاب مهيمن على سائر الكتب والاسفار وهو القرآن فكفروا به وأنكروه وقالوا في حقه وفي حق من انزل عليه ما قولوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ اى عاقبة كفرهم وغائلته من المغلوبية في الدنيا والعذاب العظيم في العقبى وهو وعيد لهم وتهديد وفيه إشارة إلى تنزل الإنسان إلى الدرك الأسفل وإلى أن مآل الدعوى بلا تطبيق للصورة بالمعنى خزى وقهر وجلال عصمنا اللّه الملك الكريم المتعال قال بعضهم وكان الملامية الذين هم أكابر القوم لا يصلون مع الفرائض الا ما لا بد منه من مؤكدات النوافل خوفا ان يقوم بهم دعوى انهم أتوا بالفرائض على وجه الكمال الممكن وزادوا على ذلك فإنه لا نفل الا عن كمال فرض ونعم ما فهموا ولكن ثم ما هو أعلى وهو ان يكثروا من النوافل توطئة لمحبة اللّه لهم ثم يرون ذلك جبرا لبعض ما في فرائضهم من النقص وفي الحديث ( حسنوا نوافلكم فبها تكمل فرائضكم ) وفي المرفوع ( النافلة هدية المؤمن إلى ربه فليحسن أحدكم هديته وليطيبها ) ولكون الهدية سببا للمحبة قال عليه السلام ( تهادوا تحابوا ) واعلم أن القرآن ذكر جليل انزل تذكيرا للناس وطردا للوسواس الخناس فإنه كلما ذكر الإنسان خنس الشيطان اى تأخر والقرآن وان كان كله ذكرا لكن ما كل آي القرآن يتضمن ذكر اللّه فان فيه حكاية الاحكام المشروعة وفيه قصص الفراعنة وحكايات أقوالهم وكفرهم وان كان في ذلك الاجر العظيم من حيث هو قرآن بالاصغاء إلى القارئ إذا قرأه من نفسه وغيره فذكر اللّه إذا سمع في القرآن أتم من استماع قول الكافرين في اللّه ما لا ينبغي فالأول من قبيل استماع القول الأحسن والثاني من استماع القول الحسن فاعرف ذلك . ويستحب لقارىء القرآن في المصحف ان يجهر بقراءته ويضع يده على الآية يتتبعها فيأخذ اللسان حظه من الرفع ويأخذ البصر حظه من النظر واليد حظها من المس وكان كبار السلف يقرأون على سبيل التأنى والتدبر للوقوف على أسراره وحقائقه كما حكى ان الشيخ العطار قدس سره كان يختم في أوائله في كل يوم ختمة وفي كل ليلة ختمة ثم لما آل الأمر إلى الشهود وأخذ الفيض من اللّه ذي الجود بقي في السبع الأول من القرآن أكثر من عشرين سنة ومن اللّه العناية والهداية وَلَقَدْ سَبَقَتْ اى وباللّه لقد تقدمت في الأزل أو كتبت في اللوح المحفوظ ثم إن السبق والتقدم الموقوف على الزمان انما هو بالنسبة إلى الإنسان والا فالامر بالإضافة إلى اللّه كائن على ما كان كَلِمَتُنا وعدنا على ما لنا من العظمة لِعِبادِنَا الذين أخلصوا لنا العبادة في كل حركة وسكون الْمُرْسَلِينَ الذين زدناهم على شرف الإخلاص في العبودية شرف الرسالة ثم فسر ذلك الوعد بطريق الاستئناف فقال إِنَّهُمْ لَهُمُ خاصة الْمَنْصُورُونَ فمن نصرناه فلا يغلب كما أن من خذلناه لا يغلب ثم عمم فقال وَإِنَّ جُنْدَنا اى من المرسلين واتباعهم المؤمنين والجند العسكر لَهُمُ اى لا غيرهم الْغالِبُونَ على أعدائهم في الدنيا والآخرة وان رؤى انهم مغلبون في بعض المشاهد لان العاقبة لهم والحكم للغالب والنادر كالمعدوم والمغلوبية لعارض كمخالفة امر الحاكم