الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
424
تفسير روح البيان
بمقابلة عبادة الشيطان مثل قوله تعالى ( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) وغير ذلك وهو استئناف يخاطبون به من خزنة جهنم بعد تمام التوبيخ والتقريع والإلزام والتبكيت عند اشرافهم على شفير جهنم اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ يقال صلى اللحم كرمى يصليه صليا شواه وألقاه في النار وصلى النار قاسى حرها وأصله اصليوها فاعل كاحشيوا وهو امر تنكيل وإهانة كقوله تعالى ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) والمعنى ادخلوها وقاسوا حرها وفنون عذابها اليوم بكفركم المستمر في الدنيا وفي ذكر اليوم ما يوجب شدة ندامتهم وحسرتهم يعنى ان أيام لذاتكم قد مضت ومن هذا الوقت واليوم وقت عذابكم قال أبو هريرة رضى اللّه عنه أوقدت النار الف عام فابيضت ثم أوقدت الف عام فاحمرت ثم أوقدت الف عام فاسودت فهي سوداء كالليل المظلم وهي سجن اللّه تعالى لمجرمين قال النبي عليه السلام لجبرائيل ( ما لي لم أر ميكائيل ضاحكا قط ) قال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار قال بعضهم ذكر النار شديد فكيف القطيعة والفضيحة فيها ولذا ورد فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة وعن السرى السقطي رحمه اللّه اشتهى ان أموت ببلدة غير بغداد مخافة ان لا يقبلني قبرى فافتضح عندهم وقال العطار رحمه اللّه لو أن نارا أوقدت فقيل من قبل الرحمن من القى نفسه فيها صار لاشيا لخشيت ان أموت من الفرح قبل ان أصل إلى النار لخلاصى من العذاب الأبدي فانظر إلى انصاف هؤلاء السادات كيف أساءوا الظن بأنفسهم مع أنهم موحدون توحيدا حقيقيا عابدون عارفون وقد جعل دخول النار مسببا عن الكفر والشرك والأوزار خدايا بعزت كه خوارم مكن * بذل كنه شرمسارم مكن مرا شرمسارى ز روى تو بس * دكر شرمسارم مكن پيش كس بلطفم بخوان يا بران از درم * ندارد بجز آستانت سرم بحقت كه چشمم ز باطل بدوز * بنورت كه فردا بنازم مسوز الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ الختم في الأصل الطبع ثم استعير للمنع والأفواه جمع فم وأصل فم فوه بالفتح وهو مذهب سيبويه والبصريين كثوب وأثواب حذفت الهاء حذفا على غير قياس لخفائها ثم الواو لاعتدالها ثم أبدل الواو المحذوفة ميما لتجانسهما لأنهما من حروف الشفة فصار فم فلما أضيف رد إلى أصله ذهابا به مذهب أخواته من الأسماء وقال الفراء جمع فوه بالضم كسوق وأسواق وفي الآية التفات إلى الغيبة للايذان بان ذكر أحوالهم القبيحة استدعى ان يعرض عنهم ويحكى أحوالهم الفظيعة لغيرهم مع ما فيه من الإيماء إلى أن ذلك من مقتضيات الختم لان الخطاب لتلقى الجواب وقد انقطع بالكلية والمعنى نمنع أفواههم من النطق ونفعل بها ما لا يمكنهم معه ان يتكلموا فتصير أفواههم كأنها مختومة فتعترف جوارحهم بما صدر عنها من الذنوب وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ باستنطاقنا إياها بِما كانُوا يَكْسِبُونَ فتنطق الأربع بما كسبوه من السيئات والمراد جميع الجوارح لا ان كل عضو يعترف بما صدر منه [ والكسب : حاصل