الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
409
تفسير روح البيان
في وعدكم فقولوا متى يكون وهذا الاستعجال بهجوم الساعة والاستبطاء لقيام القيامة انما وقع تكذيبا للدعوة وإنكارا للحشر والنشر ولو كان تصديقا وإقرارا واستخلاصا من هذا السجن وشوقا إلى اللّه تعالى ولقائه لنفعهم جدا ولما قامت عليهم القيامة عند الموت كما لا تقوم على المؤمنين بل يكون الموت لهم عيدا وسرورا : وفي المثنوى خلق در بازار يكسان مىروند * آن يكى در ذوق وديكر دردمند همچنان در مرك وزنده مىرويم * نيم در خسران ونيمى خسرويم ما يَنْظُرُونَ جواب من جهته والنظر بمعنى الانتظار اى ما ينتظر كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً لا تحتاج إلى ثانية هي النفخة الأولى التي هي نفخة الصعق والموت والصيحة رفع الصوت تَأْخُذُهُمْ مفاجأة وتصل إلى جميع أهل الأرض . والاخذ حوز الشيء وتحصيله وذلك تارة بالتناول نحو ( مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ) وتارة بالقهر نحو ( لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ) ويقال أخذته الحمى ويعبر عن الأسير بالمأخوذ والأخيذ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ أصله يختصمون فقلبت التاء صادا ثم أسكنت وأدغمت في الصاد الثانية ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين وخاصمته نازعته وأصل المخاصمة ان يتعلق كل واحد بخصم الآخر بالضم اى جانبه وان يجذب كل واحد خصم الجوالق من جانب وهو الجانب الذي فيه العروة . والمعنى والحال انهم يتخاصمون ويتنازعون في تجاراتهم ومعاملاتهم ويشتغلون بأمور دنياهم حتى تقوم الساعة وهم في غفلة عنها فلا يغتروا لعدم ظهور علامتها ولا يزعموا انها لا تأتيهم عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال تهيج الساعة والرجلان يتبايعان قد نشرا اثوابهما فلا يطويانها والرجل يلوط حوضه فلا يستقى منه والرجل قد انصرف بلبن لقحته فلا يطعمه والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يأكلها ثم تلا ( تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ) - روى - ان اللّه تعالى يبعث ريحا يمانية ألين من الحرير وأطيب رائحة من المسك فلا تدع أحدا في قلبه مثقال ذرة من الايمان الا قبضته ثم يبقى شرار الخلق مائة عام لا يعرفون دينا وعليهم تقوم الساعة وهم في أسواقهم يتبايعون فان قلت هم ما كانوا منتظرين بل كانوا جازمين بعدم الساعة والصيحة قلت نعم الا انهم جعلوا منتظرين نظرا إلى ظاهر قولهم متى يقع لان من قال متى يقع الشيء الفلاني يفهم من كلامه انه ينتظر وقوعه فَلا يَسْتَطِيعُونَ الاستطاعة استفعال من الطوع وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتيا اى لا يقدرون تَوْصِيَةً مصدر بالفارسية [ وصيت كردن ] والوصية اسم من الإيصاء يقال وصيت الشيء بالشيء إذا وصلته به وسمى الزام شئ من مال أو نفقة بعد الموت بالوصية لأنه لما أوصى به اى أوجب والزم وصل ما كان من امر حياته بما بعده من امر مماته والتنكير للتعميم اى في شئ من أمورهم إذ كانت فيما بين أيديهم قال ابن الشيخ لا يستطيعون توصية ما ولو كانت بكلمة يسيرة فإذا لم يقدروا عليها يكونون أعجز عما يحتاجون فيه إلى زمان طويل من أداء الواجبات ورد المظالم ونحوها لان القول أيسر من الفعل فإذا عجزوا عن أيسر ما يكون من القول تبين ان الساعة لا تمهلهم بشئ ما واختيار الوصية من جنس الكلمات لكونها أهم بالنسبة إلى المحتضر فالعاجز