الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
338
تفسير روح البيان
من بلاد الشرك وأدخلني في التوحيد وعرفني نفسي بعد جهلي إياها فهل هذا يا إبراهيم الا لعناية أو محبة قلت وكيف حبك له قالت أعظم شئ واجله قلت وكيف هو قالت هوارق من الشراب وأحلى من الجلاب . وانما تتولد معرفة اللّه من معرفة النفس بعد تزكيتها كما أشار اليه ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) ففي هذا ان الولد يكون أعظم في القدر من الوالد فافهم رحمك اللّه وإياي بعنايته وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ تمثيل للكافر والمؤمن فان المؤمن من ابصر طريق الفوز والنجاة وسلكه بخلاف الكافر فكما لا يستوى الأعمى والبصير من حيث الحس الظاهري إذ لا بصر للأعمى كذلك لا يستوى الكافر والمؤمن من حيث الإدراك الباطني ولا بصيرة للكافر بل الكافر أسوأ حالا من الأعمى المدرك للحق إذ لا اعتبار بحاسة البصر لاشتراكها بين جميع الحيوانات وفيه إشارة إلى حال المحجوب والمكاشف فان المحجوب أعمى عن مطالعة الحق فلا يستوى هو والمكاشف الذي كوشف له عن وجه السر المطلق وقال الكاشفي ( وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى ) [ وبرابر نيست نابينا يعنى كافر يا جاهل يا كمراه ( وَالْبَصِيرُ ) وبينا يعنى مؤمن يا عالم يا راه يافته ] وَلَا لتأكيد نفى الاستواء الظُّلُماتُ جمع ظلمة وهي عدم النور وَلَا للتأكيد النُّورُ هو الضوء المنتشر المعين للابصار تمثيل للباطل والحق . فالكافر في ظلمة الكفر والشرك والجهل والعصيان والبطلان لا يبصر اليمين من الشمال فلا يرجى له الخلاص من المهالك بحال . والمؤمن في نور التوحيد والإخلاص والعلم والطاعة والحقانية بيده الشموع والأنوار أينما سار . وجمع الظلمات مع افراد النور لتعدد فنون الباطل واتحاد الحق يعنى ان الحق واحد وهو التوحيد فالموحد لا يعبد الا اللّه تعالى واما الباطل فطرقه كثيرة وهي وجوه الإشراك فمن عابد للكواكب ومن عابد للنار ومن عابد للأصنام إلى غير ذلك فالظلمات كلها لا تجد فيها ما يساوى ذلك النور الواحد وفيه إشارة إلى ظلمة النفس ونور الروح فان المحجوب فيها ما يساوى ذلك النور الواحد وفيه إشارة إلى ظلمة النفس ونور الروح فان المحجوب في ظلمة الغفلات المتضاعفة والمكاشف في نور الروح واليقظة وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ قدم الأعمى على البصير والظلمات على النور والظل على الحرور ليتطابق فواصل الآي وهو تمثيل للجنة والنار والثواب والعقاب والراحة والشدة . الظل بالفارسية [ سايه ] قال الراغب يقال لكل موضع لاتصل اليه الشمس ظل ولا يقال الفيء الا لما رال عنه الشمس ويعبر بالظل عن العز والمنعة وعن الرفاهية انتهى . والحرور الريح الحارة بالليل وقد تكون بالنهار وحر الشمس والحر الدائم والنار كما في القاموس فعول من الحر غلب على السموم وهي الريح الحارة التي تؤثر تأثير السم تكون غالبا بالنهار . والمعنى كما لا يستوى الظل والحرارة من حيث إن في الظل استراحة للنفس وفي الحرارة مشقة وألما كذلك لا يستوى ما للمؤمن من الجنة التي فيها ظل وراحة وما للكافر من النار التي فيها حرارة شديدة وفيه إشارة إلى أن البعد من اللّه تعالى كالحرور في إحراق الباطن والقرب منه كالظل في تفريح القلب وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ من الأول ولذلك كرر الفعل وأوثرت صيغة الجمع في الطرفين تحقيقا للتباين بين افراد الفريقين والحي ما به القوة الحساسة