الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

318

تفسير روح البيان

سبيلهم والاقتداء بهم وليعلم أرباب القلوب ان حالهم مع الأجانب من هذه الطريقة كأحوال الأنبياء مع السفهاء من أممهم وانهم لا يقبلون منهم الا القليل من أهل الإرادة وقد كان أهل الحقائق ابدا منهم في مقاساة الأذية ولا يتخلصون الا بستر حالهم عنهم والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء المتقشفين والعلماء الذين هم لهذه الأصول منكرون واقرار المقرين وانكار المنكرين ليس يرجع إليهم بل يرجع إلى تقدير عليم حكيم يعلم المبدأ والمعاد ويدبر على وفق إرادته الأحوال فعلى العاقل ان يختار طريق العشق والإقرار وان كان فيه الأذى والملامة ويجتنب عن طريق النفي والإنكار وان كان فيه الراحة والسلامة فان ذرة من العشق خير للعاشقين من كثير من اعمال العابدين : قال الحافظ هر چند غرق بحر كناهم ز صد جهت * كر آشناى عشق شوم غرق رحمتم وطريق العشق هو التوحيد واثبات الهوية بالتفريد كما قال ( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) * وهو كناية عن موجود غائب والغائب عن الحواس الموجود في الأزل هو اللّه تعالى وهو ذكر كل من المبتدى والمنتهى اما المبتدى ففي حقه غيبة لأنه من أهل الحجاب واما المنتهى ففي حقه حضور لأنه من أهل الكشف فلا يشاهد الا الهوية المطلقة وهو مركب في الحس من حرفين وهما ( ه و ) وفي العقل من حرفين أيضا وهما ( اى ) فكانت حروفه في الحس والعقل أربعة لتدل على الإحاطة التربيعية التي هي إحاطة هو الأول والآخر والظاهر والباطن ولما كانت الأولية والآخرية اعتبارين عقليين دل عليهما بالألف والياء ولما كانت الظاهرية والباطنية اعتبارين حسيين دل عليهما بالهاء والواو فألف هو غيب في هائه وياؤه غيب في واوه واعلم أن الذكر خير من الجهاد فان ثواب الغزو والشهادة في سبيل اللّه حصول الجنة والذاكر جليس الحق تعالى كما قال ( انا جليس من ذكرني ) وشهود الحق أفضل من حصول الجنة ولذلك كانت الرؤية بعد حصول الجنة وشرط الذكر الحضور بالقلب والروح وجميع القوى حضور قلب ببايد كه حق شود مشهود * وكر نه ذكر مجرد نمىدهد يك سود يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث والجزاء حَقٌّ ثابت لا محالة لا خلف فيه وفي التأويلات النجمية يشير إلى أن كل ما وعد به اللّه من الثواب والعقاب والدرجات في الجنة والدركات في النار والقربات في أعلى عليين وفي مقعد صدق عند مليك مقتدر والبعد إلى أسفل سافلين حق فإذا علم ذلك استعد للموت قبل نزول الموت ولم يهتم للرزق ولم يتهم الرب في كفاية الشغل ونشط في استكثار الطاعة ورضى بالمقسوم فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا بان يذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعي لها وتقطعكم زينتها وشهواتها عن الرياضات والمجاهدات وترك الأوطان ومفارقة الاخوان في طريق الطلب والمراد نهيهم عن الاغترار بها وان توجه النهى صورة إليها وفي بعض الآثار ( يا ابن آدم لا يغرنك طول المهلة فإنما يعجل بالأخذ من يخاف الفوت ) وعن العلاء بن زياد رأيت الدنيا في منامي قبيحة عمشاء ضعيفة عليها من كل زينة فقلت من أنت أعوذ باللّه منك فقالت انا الدنيا فان سرك ان يعيذك اللّه منى فابغض الدراهم يعنى لا تمسكها عن النفقة في موضع الحق وفي الحديث