الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

296

تفسير روح البيان

إبراهيم ) فاما في بدء وجودهم فالأرواح لما حصلت في عالم الأرواح بإشارة كن تابعة لروحك احتاجت إلى أن تكون لها بشيرا ونذيرا لتعلقها بالأجسام لأنها علوية بالطبع لطيفة نورانية والأجسام سفلية بالطبع كثيفة ظلمانية لا تتعلق بها ولا تميل إليها لمضادة بينهما فتحتاج إلى بشير يبشرها بحصول كمال لها عند الاتصال بها لترغب إليها وتحتاج إلى نذير ينذرها بأنها ان لم تتعلق بالأجسام تحرم من كمالها وتبقى ناقصة غير كاملة كمثل حبة فيها شجرة مركوزة بالقوة فان تزرع وترب بالماء تخرج الشجرة من القوة إلى الفعل إلى أن تبلغ كمال شجرة مثمرة فالروح بمثابة الأكار المربى فبعد تعلق الروح بالقالب واطمئنانه واتصافه بصفته يحتاج إلى بشير بحسب مقامه يبشره بنعيم الجنة وملك لا يبلى ثم يبشره بقرب الحق تعالى ويشوقه إلى جماله ويعده بوصاله ونذير ينذره أولا بنار جهنم ثم يوعده بالبعد عن الحق ثم بالقطيعة والهجران وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات منبتة من بذر روحه صلى اللّه عليه وسلم وهو ثمرة هذه الشجرة من جميع الأنبياء والمرسلين وهم وان كانوا ثمرة هذه الشجرة أيضا ولكن وجدوا هذه المرتبة بتبعيته كما أنه من بذر واحد يظهر على الشجرة ثمار كثيرة بتبعية ذلك البذر الواحد فيجد كل بشير ونذير فرعا لأصل بشيريته ونذيريته والذي يدل على هذا التحقيق قوله تعالى ( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) دخلت شجرات الموجودات كلها تحت الخطاب وبقوله ( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) يشير إلى أن أكثر الناس الذين هم اجزاء وجود الشجرة وما وصلوا إلى رتبة الثمرية لا يعلمون حقيقة ما قررنا لان أحوال الثمرة ليست معلومة للشجرة الا لثمرة مثلها في وصفها لتكون واقفة بحالها نداند آدم كامل جز آدم وَيَقُولُونَ اى المشركون من فرط جهلهم وغاية غيهم مخاطبين لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين به بطريق الاستهزاء مَتى [ كي باشد ] هذَا الْوَعْدُ المبشر به والمنذر عنه يعنى الجنة والنار إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعوى الوقوع والوجود قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ اى وعد يوم وهو يوم البعث مصدر ميمى لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ اى عن ذلك الميعاد عند مفاجأته فالجملة صفة للميعاد ساعَةً [ مقدار اندك از زمان ] وَلا تَسْتَقْدِمُونَ [ الاستئخار : پس شدن . والاستقدام : پيش شدن ] وفي هذا الجواب من المبالغة في التهديد ما لا يخفى حيث جعل الاستئخار في الاستحالة كالاستقدام الممتنع عقلا وفي التأويلات النجمية يشير إلى أرباب الطلب واستعجالهم فيما وعدوهم من رتبة الثمرية يعنى متى نصل إلى الكمال الذي بشرتمونا به وبقوله ( قُلْ لَكُمْ ) إلى آخره يجيبهم كما أن لثمرة كل شجرة وقتا معلوما لادراكها وبلوغها إلى كمالها كذلك لكل سالك وقت معلوم لبلوغه إلى رتبة كماله كما قال تعالى ( حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) ولهذا السر قال تعالى مع حبيبه عليه السلام ( فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) هذا يشير إلى أن لنيل كل مقام صبرا مناسبا لذلك المقام كما أن النبي عليه السلام لما كان من أولى العزم من الرسل امر بصبر أولى العزم من الرسل كما قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره