الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

255

تفسير روح البيان

وجهل ربه فإنه في أول الأمر يخب هذه البهيمية التي تأكل وتشرب وتنكح وتحمل الذكورية والأنوثية اللتين اشترك فيهما جميع الحيوانات وما يدرى ان هذه الصورة الحيوانية قشر وله لب هو محبوب الحق الذي قال ( يُحِبُّهُمْ ) وهو محب الحق الذي قال ( يُحِبُّونَهُ ) فإذا عبر عن قشر جسمانية الظلمانية ووصل إلى لب روحانية النورانية ثم علم أن هذا اللب النوراني أيضا قشر فان النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ( ان للّه سبعين الف حجاب من نور وظلمة ) فعبر عن القشر الروحاني أيضا ووصل إلى لبه الذي هو محبوب الحق ومحبه فقد عرف نفسه وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه بتوحيد لا شرك فيه وجهل ما سوى اللّه تعالى بالكلية وأيضا ان الجهول هو العالم لان نهاية العلم هو الاعتراف بالجهل في باب المعرفة والعجز عن درك الإدراك ادراك قال المولى الجامي قدس سره غير انسان كسش نكرد قبول * زانكه انسان ظلوم بود وجهول ظلم أو آنكه هستىء خود را * ساخت فانى بقاى سرمد را جهل أو آنكه هر چه جز حق بود * صورت آن ز لوح دل نزدود نيك ظلمي كه عين معدلتست * نغز جهلي كه مغز معرفتست اى نكرده دل از علائق صاف * مزن از دانش خلائق لاف زانكه در عالم خدا دانى * جهل علمست علم ناداني فلو لم يكن للانسان قوة هذه الظلومية والجهولية لما حمل الأمانة وبهذا الاعتبار صح تعليل الحمل بهما وقال بعض أهل التفسير وتبعهم صاحب القاموس ان الوصف بالظلومية والجهولية انما يليق بمن خان في الأمانة وقصر عن حقها لا بمن يتحملها ويقبلها فمعنى حملها الإنسان اى خانها والإنسان الكافر والمنافق من قولك فلان حامل للأمانة ومحتمل لها بمعنى انه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج من عهدتها بجعل الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها كما يقال ركبته الديون فما يحمل إذا كناية عن الخيانة والتضيع والمعنى انا عرضنا الطاعة على هذه الاجرام العظام فانقادت لامر اللّه انقيادا يصح من الجمادات وأطاعت له إطاعة تليق بها حيث لم تمتنع عن مشيئته وإرادته إيجادا وتكوينا وتسوية على هيئات مختلفة وإشكال متنوعة كما قال ( أَتَيْنا طائِعِينَ ) والإنسان مع حياته وكمال عقله وصلاحه للتكليف لم يكن حاله فيما يصح منه ويليق به من الانقياد لأوامر اللّه ونواهيه مثل حال تلك الجمادات بل مال إلى أن يكون محتملا لتلك الأمانة مؤديا إياها ومن ثم وصف بالظلم حيث ترك أداء الأمانة وبالجهل حيث أخطأ طريق السعادة ففي هذا التمثيل تشبيه انقياد تلك الاجرام لمشيئة اللّه إيجادا وتكوينا بحال مأمور مطيع لا يتوقف عن الامتثال فالحمل في هذا مجاز وفي التمثيل السابق على حقيقته وليس في هذا المعنى حذف المعطوف مع حرف العطف بخلافه في محل الحمل على التحمل فان المراد حينئذ وحملها الإنسان ثم غدر بالحمل حتى يصح التعليل بقوله انه كان إلخ فاعرف هذا المقام والقول ما قالت حذام قال في الأسئلة المقحمة كيف عرض الأمانة عليه مع علمه بحاله من كونه ظلوما جهولا والجواب هذا سؤال طويل