الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

183

تفسير روح البيان

الْأَعْلى ) وكذلك قال يعقوب عليه السلام ( انى أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ) وكذلك خاف نبينا عليه السلام حين قيل له ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) وكذلك اخبر الكتاب عن جماعة من الأنبياء انهم خافوا أشياء غير اللّه والجواب ان معنى الآية لا يعتقدون ان شيأ من المخلوقات يستقل باضرارهم ويستبد بايذائهم دون إرادة اللّه ومشيئته لما يعلمون ان الأمور كلها بقضاء اللّه وقدره فأراد بالخوف خوف العقيدة والعلم واليقين لا خوف البشرية الذي هو من الطباع الخلقية وخواص البشرية ونتائج الحيوانية وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً محاسبا لعباده على أعمالهم فينبغي ان يحاسب العبد نفسه قبل محاسبة اللّه إياه ولا يخاف غير اللّه لا في امر النكاح ولا في غيره إذا علم أن رضى اللّه وحكمه فيه واعلم أن السواك والتعطر والنكاح ونحوها من سنن الأنبياء عليهم السلام وليس لنا عبادة شرعت من عهد آدم إلى الآن ثم تستمر تلك العبادة في الجنة الا الايمان والنكاح قال بعض الكبار من كان اتقى كانت شهوته أشد وذلك ان حرارة الشهوة الحقيقية انما هي بعد نار العشق التي بعد نور المحبة فانظركم من فرق بين شهوة أهل الحجاب وشهوة أهل الشهود فعروق أهل الغفلة ممتلئة بالدم وعروق أهل اليقظة ممتلئة بالنور ولا شك ان قوّة النور فوق قوة الدم فنسأل اللّه الهدى لا الحركة بالهوى - حكى - عن بعض الكبار أنه قال كنت في مجلس بعض العارفين فتكلم إلى أن قال لا مخلص لاحد من الهوى ولو كان فلانا عنى به النبي عليه السلام حيث قال ( حبب الىّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة ) فقلت له أما تستحيي من اللّه تعالى فإنه عليه السلام ما قال أحببت بل قال حبب فكيف يلام العبد على ما كان من عند اللّه بلا اختيار منه قال ثم حصل لي غم وهمّ فرأيت النبي عليه السلام في المنام فقال لا تغتم فقد كفينا امره ثم سمعت انه قتل في طريق ضيعة له قال بعض الكبار من أراد فهم المعاني الغامضة في الشريعة فليتعمل في تكثير النوافل في الفرائض وان أمكنه ان يكثر من نوافل النكاح فهو أولى إذ هو أعظم نوافل الخيرات فائدة لما فيه من الازدواج والانتاج فيجمع بين المعقول والمحسوس فلا يفوته شئ من العلم بالعالم الصادر عن الاسم الظاهر والباطن فيكون اشتغاله بمثل هذه النافلة أتم وأقرب لتحصيل ما يرونه فإنه إذا فعل ذلك أحبه الحق وإذا أحبه صار من أهل اللّه كاهل القرآن وإذا صار من أهل القرآن كان محلا للقائه وعرشا لاستوائه وسماء لنزوله وكرسيا لامره ونهيه فيظهر له منه ما لم يره فيه مع كونه كان فيه وقال كنت من ابغض خلق اللّه للنساء وللجماع في أول دخولي في الطريق وبقيت على ذلك نحو ثماني عشرة سنة حتى خفت على نفسي المقت لمخالفة ما حبب لرسول اللّه صلى عليه وسلم فلما افهمنى اللّه معنى حبب علمت أن المراد ان لا يحبهن طبعا وانما يحبهن بتحبيب اللّه فزالت تلك الكراهة عنى وانا الآن من أعظم خلق اللّه شفقة على النساء لانى في ذلك على بصيرة لاعن حب طبيعي انتهى - وروى - ان جماعة أتوا منزل زكريا عليه السلام فإذا فتاة جميلة قد أشرق لها البيت حسنا قالوا من أنت قالت انا امرأة زكريا فقالوا لزكريا كنا نرى نبي اللّه لا يريد الدنيا وقد اتخذت امرأة جميلة فقال انما تزوجت امرأة جميلة لا كف بها بصرى واحفظ بها فرجى فالمرأة الصالحة المعينة ليست من الدنيا في الحقيقة : قال الشيخ سعدى قدس سره