الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

15

تفسير روح البيان

ويسمع منه بغير واسطة وربما كان بواسطة فيسمعه الحق من ألسنة كل ذرة من العرش إلى الثرى أصواتا قدوسية وخطابات سبوحية قال جعفر فابدأ به في صباحك وبه فاختم في مسائك فمن كان به ابتداؤه واليه انتهاؤه لا يشقى فيما بينهما قال البقلى رحمه اللّه وصف اللّه أهل الحبور بالايمان والعمل الصالح فاما ايمانهم فشهود أرواحهم مشاهد الأزل في أوائل ظهورها من العدم . واما أعمالهم الصالحة فالعشق والمحبة والشوق فآخر درجاتهم في منازل الوصال الفرح بمشاهدة اللّه والسرور بقربه وطيب العيش لسماع كلامه يطربهم الحق بنفسه ابد الآبدين في روح وصاله وكشف جماله وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا القرآنية التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بما فصل وَلِقاءِ الْآخِرَةِ اى البعث بعد الموت صرح بذلك مع اندراجه في تكذيب الآيات للاعتناء بأمره فَأُولئِكَ الموصوفون بالكفر والتكذيب فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ مدخلون على الدوام لا يغيبون عنه ابدا قال بعضهم الإحضار انما يكون على اكراه فيجاء به على كراهة اى يحضرون العذاب في الوقت الذي يحبر فيه المؤمنون في روضات الجنان فيكونون على عذاب وويل وثبور كما يكون المؤمنون على ثواب وسماع وحبور . فعلى العاقل ان يجتنب عن القيل والقال ويكسب الوجد والحال من طريق صالحات الأعمال فان لكل عمل صالح اثرا ولكل ورع وتقوى ثمرة فمن حبس نفسه في زاوية العبادة والطاعة وتخلى في خلوة الذكر والفكر تفرج في رياض الجنان بما قاسى بالأعضاء والجنان . ومن أغلق باب سمعه عن سماع الملاهي وصبر عنه فتح اللّه له باب سماع الأغاني في الجنة والا فقد حرم من أمثل اللذات به از روى زيباست آواز خوش * كه آن حظ نفس است واين قوت روح كما أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة وأشار بالاحضار إلى أن جهنم سجن اللّه تعالى فكما ان المجرم في الدنيا يساق إلى السجن وهو كاره له فكذا المجرم في العقبى يساق ويجرّ إلى النار بالسلاسل والاغلال فيذوق وبال كفره وتكذيبه وحضوره محاضر أهل الهوى من أهل الملاهي وربما يحضر في العذاب من ليس بمكذب الحاقا له في بعض الأوصاف وان كان غير مخلد فيه وربما تؤدى الجراءة على المعاصي والإصرار عليها إلى الكفر والعياذ باللّه تعالى . فيا أهل الشريعة عليكم بترك المحرمات الموجبة للعقوبات . ويا أهل الطريقة عليكم بترك الفضلات المؤدية إلى التنزلات ولا يغرنكم أحوال أبناء الزمان فان أكثرهم اباحيون غير مبالين ألا ترى إلى مجامعهم المشحونة بالأحداث ومجالسهم المملوءة باهل الملاهي كأنهم المكذبون بلقاء الآخرة فلذا قصروا همتهم على الأمور الظاهرة يطلبون العشق والحال في الأمر الزائل كالمتغنى والمزمّر ويعرضون عن الذكر والتوحيد الباقي لذته وصفوته مدى الدهر ولعمري ان من عقل لا يستن بسنن الجهلاء وأهل الارتكاب ولا يرفع إلى مجالسهم قدما ولو خطوة خوفا من العذاب فإنه تعالى قال ( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) وأي نار أعظم من نار البعد والفراق إذ هي دائمة الإحراق نسأل اللّه سبحانه ان يوفقنا لسدّ خلل الدين والاعراض عن متسامحات الغافلين ويجعلنا ممن تعلق بحبل الشرع المبين وعروة الطريق القويم المتين ويحيينا بالحياة الطيبة إلى آخر الأعمار ويعيدنا من الأجداث والوجوه أقمار