الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
147
تفسير روح البيان
. وثانيها إذا أخرجكم من العدم جعلكم أرواحا مطهرة انسانية في أحسن تقويم لا حيوانا أو نباتا أو جمادا . وثالثها يوم الميثاق شرفكم بخطاب ألست بربكم ثم وفقكم لاستماع خطابه ثم دلكم على إصابة جوابه . ورابعها أنعم عليكم بالنفخة الخاصة عند بعثكم إلى القالب الإنساني لئلا تنزلوا بمنزل من المنازل السماوية والكوكبية والجنية والشيطانية والنارية والهوائية والمائية والأرضية والنباتية والحيوانية وغيرها إلى أن أنزلكم في مقام الانسانية . وخامسها عجن طينة قالبكم بيده أربعين صباحا ثم صوركم في الأرحام وسواكم ثم نفخ فيكم من روحه . وسادسها شرف روحكم بتشريف إضافته إلى نفسه بقوله « من روحي » وما اعطى هذا التشريف لروح من أرواح الملائكة المقربين . وسابعها أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيأ فبالهامات الربانية علمكم ما تحتاجون اليه من أسباب المعاش . وثامنها ألهمكم فجوركم وتقواكم لتهتدوا إلى سبيل الرشاد للرجوع إلى الميعاد . وتاسعها أرسل إليكم الأنبياء والرسل ليخرجوكم من الظلمات الخلقية إلى نور الخالقية . وعاشرها أنعم عليكم بالايمان ثم بالإيقان ثم بالإحسان ثم بالعرفان ثم بالعيان ثم بالعين ثم آتاكم من كل ما سألتموه وان تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها وذكر نعمته استعمالها في عبوديته أداء شكر نعمته وشكر النعمة رؤية النعمة ورؤية النعمة أن تكون ترى نعم توفيقه لاداء شكره إلى أن تعجز عن أداء شكره فان نعمته غير متناهية وشكرك متناه فرؤية العجز عن أداء الشكر حقيقة الشكر ومن الشكر ان تذكر ما سلف من الذي دفع عنك وأنت بصدده من أنواع البلاء والمحن والمصائب والمكائد فمن جملة ذلك قوله ( إِذْ جاءَتْكُمْ ) إلخ يشير إلى جنود الشياطين وجنود صفات النفس وجنود الدنيا وزينتها فأرسلنا عليهم ريحا من نكباء قهرنا وجنودا لم تروها من حفظنا وعصمتنا وكان اللّه بما تعملون من الميل إلى الدنيا وشهواتها بصيرا بدفعها وعلاجها كم من بلاء صرفه عن العبد ولم يشعر وكم شغل كان بصدده فصده عنه ولم يعلم وكم امر عوّقه والعبد يضج وهو يعلم أن في تيسيره هلاكه فيمنعه منه رحمة عليه والعبد يهتم ويضيق به صدره هر چه آمد ز آسمان قضا * بقضا مىنكر بعين رضا خوشدل شو ز ماجراى قلم * زانكه حق از تو بحالت اعلم إِذْ جاؤُكُمْ بدل من إذ جاءتكم مِنْ فَوْقِكُمْ من أعلى الوادي من جهة المشرق وهم بنوا غطفان ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصين الفزاري وعامر بن الطفيل ومعهم اليهود وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ اى من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش ومن تابعهم من الجماعات المتفرقة وقائدهم أبو سفيان والفوق إشارة إلى الآفات السماوية والأسفل إلى المتولدات البشرية والكل بلاء وقضاء وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ عطف على ما قبله داخل في حكم التذكير . والزيغ الميل عن الاستقامة قال الراغب يصح ان يكون إشارة إلى ما تداخلهم من الخوف حتى اظلمت أبصارهم ويصح ان يكون إشارة إلى ما قال ( يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ) انتهى والبصر الجارحة الناظرة والمعنى وحين مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصا لكثرة ما رأت من العدد والعدد فإنه كان مع قريش ثلاثمائة فرس والف وخمسائة بعير