الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

11

تفسير روح البيان

يستدعيه من جانبهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بما اجتر أو أعلى اكتساب المعاصي الموجبة للهلاك ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا اى عملوا السيئات : وبالفارسية [ بد كردند يعنى كافر شدند ] السُّواى اى العقوبة التي هي أسوأ العقوبات وأفظعها وهي العقوبة بالنار فإنها تأنيث الأسوأ كالحسنى تأنيث الأحسن أو مصدر كالبشرى وصف به العقوبة مبالغة كأنها نفس السواى . وقيل السواى اسم لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة وانما سميت سواي لأنها تسوء صاحبها قال الراغب السوء كل ما يعم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية ومن الأحوال النفسية والبدنية والخارجة من فوات مال وفقد حميم وعبر بالسوأى عن كل ما يقبح ولذلك قوبل بالحسنى قال ( ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى ) كما قال ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى ) انتهى . والسوءى مرفوعة على أنها اسم كان وخبرها عاقبة وقرىء على العكس وهو ادخل في الجزالة كما في الإرشاد أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ علة لما أشير اليه من تعذيبهم الدنيوي والأخروي اى لان كذبوا بآيات اللّه المنزلة على رسله ومعجزاته الظاهرة على أيديهم وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ عطف على كذبوا داخل معه في حكم العلة وإيراد الاستهزاء بصيغة المضارع للدلالة على استمراره وتجدده وحاصل الآيات ان الأمم السالفة المكذبة عذبوا في الدنيا والآخرة بسبب تكذيبهم واستهزائهم وسائر معاصيهم فلم ينفعهم قوتهم ولم يمنعهم أموالهم من العذاب والهلاك فما الظن باهل مكة وهم دونهم في العدد والعدد وقوة الجسد واعلم أن طبع القلوب والموت على الكفر مجازاة على الإساءة كما قال ابن عيينة ان لهذه الذنوب عواقب سوء لا يزال الرجل يذنب فينكت على قلبه حتى يسوّد القلب كله فيصير كافرا والعياذ باللّه : وفيه إشارة إلى طلبة العلم الذين يشرعون في علوم غير نافعة بل مضرة مثل الكلام والمنطق والمعقولات فيشوش عليهم عقيدتهم على مذهب أهل السنة والجماعة وان وقعوا في أدنى شك وقعوا في الكفر علم بىدينان رها كن جهل را حكمت مخوان * از خيالات وظنون أهل يونان دم مزن فمن كان له نور الايمان الحقيقي بالسير والسلوك ينظر كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من حكماء الفلاسفة انهم كانوا أشد منهم قوة في علم القال وأثاروا الأرض البشرية بالرياضة والمجاهدة وعمروها بتبديل الأخلاق والاستدلال بالدلائل العقلية والبراهين المنطقية أكثر مما عمروها المتأخرون لأنهم كانوا أطول أعمارا منهم فوسوس لهم الشيطان وغرهم بعلومهم العقلية واستبدت نفوسهم بها وظنوا انهم غير محتاجين إلى الشرائع ومتابعة الأنبياء وجاءتهم رسلهم بالمعجزات الظاهرة فنسبوها إلى السحر والنيرنج واعتمدوا على مسولات أنفسهم من الشبهات بحسبان انها من البراهين القاطعة فأهلكهم اللّه في أودية الشكوك والحسبان فما كان اللّه ليظلمهم بالابتلاء بهذه الآفات بان يكلهم إلى وساوس الشيطان وهواجس نفوسهم ولا يرسل إليهم الرسل ولم ينزل معهم الكتب ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بتكذيب الأنبياء ومتابعة الشيطان وعبادة الهوى ثم كان عاقبة امر الفلاسفة لما أساؤوا بتكذيب الأنبياء السوءى بان صاروا أئمة الكفر وصنفوا الكتب في الكفر وأوردوا فيها