الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

455

تفسير روح البيان

لان في الزنى يهلك الولد الصوري لبقائه بلا والد وفي الإفساد يهلك الولد المعنوي لبقائه بلا فيض وفساد المعنى أشد من فساد الصورة ففي الآية إشارة إلى حال أرباب الإلحاد والدعوى مع من يتبعهم ممن لا يفرق بين الفساد والصلاح والبقاء والهلاك اللهم اجعلنا من الثابتين على الطريق القويم وَلَقَدْ أَرْسَلْنا للدعوة إلى التوحيد وطريق الحق من قبل ارسالنا إياك يا محمد نُوحاً واسمه عبد الغفار كما ذكره السهيلي رحمه اللّه في كتاب التعريف والشاكر كما ذكره أبو الليث في البستان . وسمى نوحا لكثرة نوحه وبكائه من خوف اللّه ولد بعد مضى الف وستمائة واثنتين وأربعين سنة من هبوط آدم عليه السلام وبعث عند الأربعين إِلى قَوْمِهِ وهم أهل الدنيا كلها . والفرق بين عموم رسالته وبين عموم رسالة نبينا عليه السلام ان نبينا عليه السلام مبعوث إلى من في زمانه وإلى من بعده إلى يوم القيامة بخلاف نوح فإنه مرسل إلى جميع أهل الأرض في زمانه لا بعده كما في انسان العيون وهو أول نبي بعث إلى عبدة الأصنام لان عبادة الأصنام أول ما حدثت في قومه فأرسله اللّه إليهم ينهاهم عن ذلك وأيضا أول نبي بعث إلى الأقارب والأجانب واما آدم فأول رسول اللّه إلى أولاده بالايمان به وتعليم شرائعه وهو اى نوح عليه السلام أبونا الأصغر وقبره بكرك بالفتح من ارض الشام كما في فتح الرحمن فَلَبِثَ فِيهِمْ بعد الإرسال ولبث بالمكان أقام به ملازما له أَلْفَ سَنَةٍ الألف العدد المخصوص سمى بذلك لكون الاعداد فيه مؤلفة فان الاعداد أربعة آحاد وعشرات ومئون وألوف فإذا بلغ الألف فقد ائتلف وما بعده ويكون مكررا قال بعضهم الألف من ذلك لأنه مبدأ النظام والسنة أصلها سنهة لقولهم سانهت فلانا اى عاملته سنة فسنة وقيل أصلها من الواو لقولهم سنوات والهاء للوقف إِلَّا خَمْسِينَ عاماً العام كالسنة لكن كثيرا ما تستعمل السنة في الحول الذي فيه الشدة والجدب ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة والعام فيما فيه الرخاء وفي كون المستثنى منه بالسنة والمستثنى بالعام لطيفة وهي ان نوحا عاش بعد إغراق قومه ستين سنة في طيب زمان وصفاء عيش وراحة بال وقيل سمى السنة عاما لعوم الشمس في جميع بروجها والعوم السباحة ويدل على معنى العوم قوله تعالى ( كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) * . ومعنى الآية فلبث بين أظهرهم تسعمائة وخمسين عاما يخوفهم من عذاب اللّه ولا يلتفتون اليه وانما ذكر الألف تخييلا لطول المدة إلى السامع اى ليكون افخم في اذنه ثم اخرج منها الخمسون إيضاحا لمجموع العدد فان المقصود من القصة تسلية رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وتثبيته على ما يكابد من الكفرة : يعنى [ إيراد قصهء نوح بجهت تسليهء سيد أنام است وتثبيت بر كشيدن أذى از قوم وتهديد يكزبان بذكر طوفان يعنى نوح نهصد وپنجاه سال جفاى قوم كشيد وهمچنان دعوت ميفرمود وكسى نمىكرويد ] الا القليل الذين ذكرهم في قوله ( وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) فاذن له في الدعاء فدعا عليهم بالهلاك فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ اى عقيب تمام المدة المذكورة فغرق من في الدنيا كلها من الكفار . والطوفان يطلق على كل ما يطوف بالشيء ويحيط به على كثرة وشدة وغلبة من السيل والريح والظلام والقتل والموت والطاعون والجدري والحصبة والمجاعة وقد