الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

451

تفسير روح البيان

فتألمت والدتي وقالت قطع اللّه رجل الا بعد كما قطعت رجله فلما رحلت إلى بخارى لطلب العلم سقطت من الدابة فانكسرت رجلي وقيل أصابه البرد في الطريق فسقطت رجله وكان يمشى بخشب كذا في روضة الاخبار ويجب على الأبوين ان لا يحملا الولد على العقوق بسبب الجفاء وسوء المعاملة ويعيناه على البر . فمن البر وهما حيان ان ينفق عليهما ويمتثل أمرهما في الأمور المشروعة ويجامل في معاملتهما . ومن البر بعد موتهما التصدق لهما وزيارة قبرهما في كل جمعة والدعاء لهما في ادبار الصلاة وتنفيذ عهودهما ووصاياهما ونحو ذلك وفي التأويلات ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً ) يشير إلى تعظيم الحق تعالى وعظم شأنه وعزة الأنبياء وإعزازهم وعرفان قدر المشايخ وإكرامهم لان الأمر برعاية حق الوالدين لمعنيين أحدهما انهما كانا سبب وجود الولد والثاني ان لهما حق التربية فكلا المعنيين في انعام الحق تعالى على العباد حاصل بأعظم وجه وأجل حق منهما لان حقهما كان مشوبا بحظ نفسهما وحق الحق تعالى منزه عن الشوب وانهما وان كانا سبب وجود الولد لم يكونا مستقلين بالسببية بغير الحق تعالى وإرادته لأنهما كانا في السببية محتاجين إلى مشيئته وإرادته بان يجعلهما سببا لوجود الولد فان الولد لا يحصل بمجرد تسببهما بالنكاح بل يحصل بموهبة اللّه تعالى كما قال تعالى ( يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ) الآية فالسبب الحقيقي في إيجاد الولد هو اللّه تعالى فان شاء يوجده بواسطة تسبب الوالدين وان شاء بغير تسببهما كايجاد آدم عليه السلام واما التربية فنسبتها إلى اللّه تعالى حقيقية فإنه رب كل شئ ومربيه وإلى الوالدين مجازية لان صورة التربية إليهما وحقيقة التربية إلى اللّه تعالى كما ربى نطف الولد في الرحم حتى جعله علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كساه اللحم ثم أنشأه حلقا آخر فاللّه تبارك وتعالى أعظم قدرا في رعاية حقوقه بالعبودية من رعاية حق الوالدين لاحسان وان الواجب على العبد ان يخرج من عهدة حق العبودية بالإخلاص أولا ثم يحسن بالوالدين كما قال تعالى ( وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) واما النبي والشيخ فكانا سبب الولادة الثانية بإلقاء نطفة النبوة والولاية في رحم قلب الأمة والمريد وتربيتها إلى أن يولد الولد عن رحم القلب في عالم الملكوت كما اخبر النبي عليه السلام رواية عن عيسى عليه السلام أنه قال ( لن يلج ملكوت السماوات والأرض الا من يولد مرتين ) وكانا سبب ولادته في عالم الأرواح وأعلى عليين القرب والولدان كانا سبب ولادته في عالم الأشباح وأسفل سافلين البعد ولهذا السر كان يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم ( انما انا لكم كالوالد لولده ) وقد كانت أزواجه أمهات للأمة وقد قال عليه السلام ( الشيخ في قومه كالنبي في أمته ) ولما كان اللّه تعالى في الإحسان العميم بالعبد والامتنان القديم الذي خصه به قبل وبعد أحق وأولى برعاية حقوقه عن والديه قال تعالى ( وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ) وفيه إشارة إلى أن المريد الصادق والطالب العاشق إذا تمسك بذيل إرادة شيخ كامل ودليل وأصل بصدق الإرادة وعشق الطلب بعد خروجه عن الدنيا بتركها بالكلية عن جاهها ومالها وقد سعى بقدر الوسع في قطع تعلقات تمنعه