الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

409

تفسير روح البيان

مجاز وَرَحْمَةً حيث ينال من عمل به رحمة اللّه تعالى لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ليكونوا على حال يرجى منهم التذكر بما فيه من المواعظ : وبالفارسية [ شايد كه ايشان پند پذيرند ] وفي الحديث ( ما أهلك اللّه قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ انزل التوراة على وجه الأرض غير أهل القرية الذين مسخوا قردة ألم تر ان اللّه تعالى قال ولقد آتينا ) الآية وَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ اى بجانب الجبل أو المكان الغربي الذي وقع فيه الميقات وناجى موسى ربه على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه أو الجانب الغربي على إضافة الموصوف كمسجد الجامع وعلى كلا التقديرين فجبل الطور غربى إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ اى عهدنا اليه وأحكمنا امر نبوته بالوحي وإيتاء التوراة وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ اى من جملة الشاهدين للوحي وهم السبعون المختارون للميقات حتى تشاهد ما جرى من امر موسى في ميقاته وكتب التوراة له في الألواح فتخبره للناس والمراد الدلالة على أن اخباره عن ذلك من قبل الاخبار عن المغيبات التي لا تعرف الا بالوحي ولذلك استدرك عنه بقوله وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا كثيرة : وبالفارسية [ وليكن بيافريديم پس از موسى كروهى بعد از كروهى ] فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ تطاول بمعنى طال : وبالفارسية [ دراز شد ] والعمر بالفتح والضم وبضمتين الحياة قال الراغب اسم لمدة عمارة البدن بالحياة اى طال عليهم الحياة وتمادى الأمد والمهلة فتغيرت الشرائع والاحكام وعميت عليهم الأنبياء لا سيما على آخرهم فاقتضى الحال التشريع الجديد فاوحينا إليك فحذف المستدرك اكتفاء بذكر ما يوجبه وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ نفى لاحتمال كون معرفته للقصة بالسماع ممن شاهد . والثواء هو الإقامة والاستقرار اى وما كنت مقيما في أهل مدين إقامة موسى وشعيب حال كونك تَتْلُوا عَلَيْهِمْ اى تقرأ على أهل مدين بطريق التعلم منهم [ چنانچه شاكردان بر استاذان خوانند ] وهو حال من المستكن في ثاويا أو خبر ثان لكنت آياتِنا الناطقة بالقصة وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ إياك وموحين إليك تلك الآيات ونظائرها وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا اى وقت ندائنا موسى انى انا اللّه رب العالمين واستنبائنا إياه وارسالنا له إلى فرعون والمراد جانب الطور الأيمن كما قال ( وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ ) ولم يذكر هنا احترازا عن إيهام الذم فإنه عليه السلام لم يزل بالجانب الأيمن من الأزل إلى الأبد ففيه إكرام له وأدب في العبارة معه وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ اى ولكن أرسلناك بالقرآن الناطق بما ذكر رحمة عظيمة كائنة منا لك وللناس لِتُنْذِرَ قَوْماً متعلق بالفعل المعلل بالرحمة ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ صفة قوما اى لم يأتهم نذير لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى وهي خمسمائة وخمسون سنة أو بينك وبين إسماعيل على أن دعوة موسى وعيسى مختصة ببني إسرائيل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يتعظون بانذارك وتغيير الترتيب الوقوعي بين قضاء الأمر والثواء في أهل مدين والنداء للتنبيه على أن كلا من ذلك برهان مستقل على أن حكايته عليه السلام للقصة بطريق الوحي الإلهي ولو ذكر أولا نفى ثوائه عليه السلام في أهل مدين ثم نفى حضوره عليه السلام عند قضاء