الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

375

تفسير روح البيان

إذ ليس لهم وصلة أصلا لا في الدنيا ولا في العقبى لان من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى نسأل اللّه ان يفتح عيون بصائرنا عن منام الغفلات ويجعلنا من المكاشفين المشاهدين المعاينين في جميع الحالات انه قاضى الحاجات ومعطى المرادات وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ النفخ نفخ الريح في الشيء ونفخ بفمه اخرج منه الريح . والصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام للموت والحشر فكأن أصحاب الجيوش من ذلك أخذوا البوقات لحشر الجند وفي الحديث ( لما فرغ اللّه من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص بصره إلى العرش متى يؤمر ) قال الراوي أبو هريرة رضى اللّه عنه قلت يا رسول اللّه ما الصور قال ( القرن ) قلت كيف هو قال ( عظيم والذي نفسي بيده ان أعظم دارة فيه كعرض السماء والأرض فيؤمر بالنفخ فيه فينفخ نفخة لا يبقى عندها في الحياة أحد الا من شاء اللّه وذلك قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق إلى قوله الا من شاء اللّه ثم يؤمر بأخرى فينفخ نفخة لا يبقى معها ميت الا بعث وقام وذلك قوله تعالى ونفخ فيه أخرى الآية ) وقد سبق بعض ما يتعلق بالمقام في سورة الكهف والمراد بالنفخ هاهنا هي النفخة الثانية . والمعنى واذكر يا محمد لقومك يوم ينفخ في الصور نفخة ثانية يعنى ينفخها إسرافيل يوم القيامة لرد الأرواح إلى أجسادها فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ اى فيفزع ويخاف والتعبير بالماضي للدلالة على وقوعه لان المستقبل من فعل اللّه تعالى متيقن الوقوع كتيقن الماضي من غيره لان اخباره تعالى حق . والفزع انقباض ونفار يعترى الإنسان من الشيء المخوف ولا يقال فزعت من اللّه كما يقال خفت منه والمراد بالفزع هنا ما يعترى الكل مؤمنا وكافرا عند البعث والنشور بمشاهدة الأمور الهائلة الخارقة للعادات في الأنفس والآفاق من الرعب والتهيب الضروريين الجبليين إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ اى ان لا يفزع بان يثبت قلبه وهم الأنبياء والأولياء والشهداء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والملائكة الأربعة وحملة العرش والخزنة والحور ونحوهم وان أريد صعقه الفزع يسقط الكل الا من استثنى نحو إدريس عليه السلام كما في التيسير وموسى عليه السلام لأنه صعق في الطور فلا يصعق مرة أخرى وَكُلٌّ اى جميع الخلائق أَتَوْهُ تعالى اى حضروا الموقف بين يدي رب العزة للسؤال والجواب والمناقشة والحساب داخِرِينَ أذلاء : وبالفارسية [ خوار شدكان ] يقال ادخرته فدخر اى ازللته فذل وَتَرَى الْجِبالَ عطف على ينفخ داخل معه في حكم التذكير اى تراها يومئذ حال كونك تَحْسَبُها جامِدَةً تظنها ثابتة في أماكنها من جمد الماء وكل سائل قام وثبت ضد ذاب وَهِيَ والحال ان تلك الجبال تَمُرُّ وتمضى مَرَّ السَّحابِ اى تراها رأى العين ساكنة والحال انها تمر مثل مر السحاب التي تسيرها الرياح سيرا سريعا وذلك لان كل شئ عظيم وكل جمع كثير يقصر عنه البصر ولا يحيط به لكثرته وعظمته فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير وهذا أيضا مما يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق فان اللّه تعالى يبدل الأرض غير الأرض ويغير هيئتها ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ليشاهدها أهل المحشر وهي وان اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى فتسييرها وتسوية الأرض