الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
315
تفسير روح البيان
العرب حيث كانوا يحفظون هجاءهم وينشدون في المجالس ويضحكون . ومن لواحق هذا المعنى ما قال ابن الخطيب في روضته ذهب جماعة من الشعراء إلى خليفة وتبعهم طفيلى فلما دخلوا على الخليفة قرأوا قصائدهم واحدا بعد واحد وأخذوا العطاء فبقى الطفيلي متحيرا فقيل له اقرأ شعرك قال لست انا بشاعر وانما انا رجل ضال كما قال اللّه تعالى ( وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ) فضحك الخليفة كثيرا فامر له بانعام وقال بعضهم معنى الآية ان الشعراء تسلك مسلكهم وتكون من جملتهم الضالون عن سنن الحق لا غيرهم من أهل الرشد وفي التأويلات النجمية يشير إلى أن الشعراء بحسب مقاماتهم ومطرح نظرهم ومنشأ قصدهم ونياتهم إذا سلكوا على أقدام التفكر مفاوز التذكر في طلب المعاني ونظمها وترتيب عروضها وقوافيها وتدبير تجنيسها وأساليبها تتبعهم الشياطين بالإغواء والإضلال ويوقعونهم في الأباطيل والأكاذيب قال في المفردات شعرت أصبت الشعر ومنه استعير شعرت كذا اى علمته في الدقة كإصابة الشعر . قيل وسمى الشاعر شاعرا لفطنته ودقة معرفته فالشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم ليت شعري وصار في التعارف اسما للموزون المقفى من الكلام والشاعر المختص بصناعته وقوله تعالى ( بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ ) حمله كثير من المفسرين على أنهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم مقفى حتى تأولوا ما جاء في القرآن من كل لفظ يشبه الموزون من نحو وجفان كالجوابى وقدور راسيات وقال بعض المحصلين لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به وذلك أنه ظاهر من هذا الكلام انه ليس على أساليب الشعر ولا يخفى ذلك على الاغتام من العجم فضلا عن بلغاء العرب وانما رموه بالكذب فان الشعر يعبر به عن الكذب والشاعر الكاذب حتى سمى قوم الأدلة الكاذبة شعرا ولهذا قال تعالى في وصف عامة الشعراء ( وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ) إلى آخر السورة انتهى قال الامام المرزوقي شارح الحماسة تأخر الشعراء عن البلغاء لتأخر المنظوم عند العرب لان ملوكهم قبل الإسلام وبعده يتبجحون بالخطابة ويعدونها أكمل أسباب الرياسة ويعدون الشعر دناءة لان الشعر كان مكسبة وتجارة وفيه وصف اللئيم عند الطمع بصفة الكريم والكريم عند تأخر صلته بوصف اللئيم ومما يدل على شرف النثر ان الاعجاز وقع في النثر دون النظم لان زمن النبي عليه السلام زمن الفصاحة أَ لَمْ تَرَ يا من من شأنه الرؤية اى قد رأيت وعلمت أَنَّهُمْ اى الشعراء فِي كُلِّ وادٍ من المدح والذم والهجاء والكذب والفحش والشتم واللعن والافتراء والدعاوى والتكبر والمفاخر والتحاسد والعجب والاراءة واظهار الفضل والدباءة والخسة والطمع والتكدي والذلة والمهانة وأصناف الأخلاق الرذيلة والطعن في الأنساب والاعراض وغير ذلك من الآفات التي هي من توابع الشعر يَهِيمُونَ يقال هام على وجهه من باب باع هيمانا بفتحتين ذهب من العشق أو غيره كما في المختار اى يذهبون على وجوههم لا يهتدون إلى سبيل معين بل يتحيرون في أودية القيل والقال والوهم والخيال والغى والضلال قال الراغب أصل الوادي الموضع الذي يسيل فيه الماء ومنه سمى المنفرج بين الجبلين واديا ويستعار للطريقة