الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
313
تفسير روح البيان
ما صلى عليه السلام في النهار بدل ما فات منه في الليل من ورد التهجد يدل على أن التهجد ليس كسائر النوافل بل له فضيلة على غيره ولذا يوصى بإتيان بدله إذا فات مع أن النوافل لا تقضى وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ التقلب [ بركشتن ] اى ويرى ترددك في تصفح أحوال المتهجدين لتطلع على حقيقة أمرهم كما روى أنه لما نسخ فرض قيام الليل عليه وعلى أصحابه بناء على أنه كان واجبا عليه وعلى أمته وهو الأصح وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما انه كان واجبا على الأنبياء قبله طاف عليه السلام تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون اى هل تركوا قيام الليل لكونه نسخ وجوبه بالصلوات الخمس ليلة المعراج حرصا على كثرة طاعاتهم فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع لها من دندنتهم بذكر اللّه وتلاوة القرآن إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لما تقوله ولدعوات عباده ومناجاة الاسرار الْعَلِيمُ بما تنويه وبوجود مصالحهم وإرادات الضمائر وقال بعضهم ( تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) اى تصرفك فيما بين المصلين بالقيام والركوع والسجود والقعود إذا أممتهم فقوله في الساجدين معناه مع المصلين في الجماعة فكأن أصل المعنى يراك حين تقوم وحدك للصلاة ويراك إذا صليت مع المصلين جماعة وفي التأويلات النجمية ( الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ) اى يرى قصدك ونيتك وعزيمتك عند قيامك للأمور كلها وقد اقتطعه بهذه الآية عن شهود الخلق فان من علم أنه بمشهد الحق راعى دقائق حالاته وخفايا أحواله مع الحق وبقوله ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) هون عليه معاناة مشاق العبادات لاخباره برؤيته له ولا مشقة لمن يعلم أنه بمرأى من مولاه ومحبوبه وان حمل الجبال الرواسي يهون لمن حملها على شعرة من جفن عينه على مشاهدة ربه ويقال كنت بمرأى منا حين تقلبك في عالم الأرواح في الساجدين بان خلقنا روح كل ساجد من روحك انه هو السميع في الأزل مقالتك انا سيد ولد آدم ولا فخر لان أرواحهم خلقت من روحك العليم باستحقاقك لهذه الكرامة انتهى وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما في قوله ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيا اى فمعنى في الساجدين في أصلاب الأنبياء والمرسلين من آدم إلى نوح وإلى إبراهيم وإلى من بعده إلى أن ولدته أمه وهذا لا ينافي وقوع من ليس نبيا في آبائه فالمراد وقوع الأنبياء في نسبه . واستدل الرافضة على أن آباء النبي عليه السلام كانوا مؤمنين اى لان الساجد لا يكون الا مؤمنا فقد عبر عن الايمان بالسجود وهو استدلال ظاهري وقوله عليه السلام ( لم أزل انقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ) لا يدل على الايمان بل على صحة أنكحة الجاهلية كما قال عليه السلام في حديث آخر ( حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط ) وقد سبق نبذ من الكلام مما يتعلق بالمرام في أواخر سورة إبراهيم وحق المسلم ان يمسك لسانه عما يخل بشرف نسب نبينا عليه السلام ويصونه عما يتبادر منه النقصان خصوصا إلى وهم العامة فان قلت كيف نعتقد في حق آباء النبي عليه السلام قلت هذه المسألة ليست من الاعتقاديات فلا حظ للقلب منها واما حظ اللسان فقد ذكرنا وذكر الحافظ السيوطي رحمه اللّه ان الذي للخلص ان أجداده عليه السلام من آدم إلى مرة بن كعب مصرح بايمانهم اى في الأحاديث وأقوال السلف وبقي بين مرة وعبد المطلب أربعة