الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

30

تفسير روح البيان

يصل العبد إلى الجنة وبالحرمة يصل إلى اللّه ولهذا قال ( فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) يعنى تعظيم الحرمة خير للعبد في التقرب إلى اللّه من تقربه بالطاعة ويقال ترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة ويقال كل شئ من المخالفات فللعفو فيه مساغ وللأمل فيه طريق وترك الحرمة على خطر ان لا يغفر ذلك وذلك بان يؤدى شؤمه لصاحبه إلى أن يختل دينه وتوحيده وَأُحِلَّتْ جعلت حلالا وهو من حل العقدة لَكُمُ لمنافعكم الْأَنْعامُ وهي الأزواج الثمانية على الإطلاق من الضأن اثنين اى الذكر والأنثى ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين فالخيل والبغال والحمير خارجة من الانعام إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ آية تحريمه كما قال في سورة المائدة ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ) الآية وهو استثناء متصل بناء على أن ما عبارة عما حرم منها لعارض كالميتة وما أهل به لغير اللّه والجملة اعتراض جيئ به تقريرا لما قبله من الأمر بالأكل والإطعام ودفعا لما عسى يتوهم ان الإحرام يحرمها كما يحرم الصيد والمعنى ان اللّه تعالى قد أحل لكم ان تأكلوا الانعام كلها الا ما استثناه كتابه فحافظوا على حدوده وإياكم ان تحرموا مما أحل اللّه شيأ كتحريم عبدة الأوثان البحيرة والسائبة ونحوهما وان تحلوا مما حرم حلالهم شيأ كأكل الموقوذة والميتة ونحوهما فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ اى الرجس الذي هو الأوثان يعنى عبادتها كما يجتنب الأنجاس والرجس الشيء القذر يقال رجل رجس ورجال أرجاس والرجس يكون على أربعة أوجه اما من حيث الطبع واما من جهة العقل واما من جهة الشريعة واما من كل ذلك كالميتة فإنها تعاف طبعا وعقلا وشرعا والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر والأوثان وهي جمع وثن وهو حجارة كانت تعبد كما في المفردات وقال بعضهم الفرق بينه وبين الصنم ان الصنم هو الذي يؤلف من شجر أو ذهب أو فضة في صورة الإنسان والوثن هو الذي ليس كذلك قال في الإرشاد وقوله ( فَاجْتَنِبُوا ) إلخ مرتب على ما يفيده قوله تعالى ( وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ ) من وجوب مراعاتها والاجتناب عن هتكها ولما كان بيان حل انعام من دواعي التعاطي لا من مبادى الاجتناب عقبه بما يجب الاجتناب عنه من الحرمات ثم امر بالاجتناب عما هو أقصى الحرمات كأنه قيل ومن يعظم حرمات اللّه فهو خير له والانعام ليست من الحرمات فإنها محللة لكم الا ما يتلى عليكم آية تحريمه فإنه مما يجب الاجتناب عنه فاجتنبوا ما هو معظم الأمور التي يجب الاجتناب عنها ( وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) تعميم بعد تخصيص فان عبادة الأوثان رأس الزور والمشرك يزعم أن الوثن يحق له العبادة كأنه قيل فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور واجتنبوا قول الزور كله ولا تقربوا شيأ منه وكأنه لما حث على تعظيم الحرمات اتبع ذلك ردا لما كانت الكفرة عليه من تحريم السوائب والبحائر ونحوهما والافتراء على اللّه تعالى بأنه حكم بذلك : وبالفارسية [ واجتناب كنيد از سخن دروغ مطلقا ] وقيل المراد به شهادة الزور لما روى أنه عليه السلام قال ( عدلت شهادة الزور الاشراك باللّه تعالى ثلاثا ) وتلا هذه الآية وكان عمر رضى اللّه عنه يجلد شاهد الزور أربعين جلدة ويسود وجهه بالفحم ويطوف به في الأسواق والزور من الزور وهو الانحراف كالافك المأخوذ من الافك الذي هو القلب