الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

224

تفسير روح البيان

نون العظمة لابراز كمال العناية بالانزال لأنه نتيجة إرسال الرياح مِنَ السَّماءِ من جهة الفوق وقد سبق تحقيقه مرارا ماءً طَهُوراً بليغا في الطهارة وهو الذي يكون طاهرا في نفسه ومطهرا لغيره من الحدث والنجاسة : وبالفارسية [ آبى پاك وپاك كننده ] والطهور يجيئ صفة كما في ماء طهورا واسما كما في قوله عليه السلام ( التراب طهور المؤمن ) وبمعنى الطهارة كما في تطهرت طهورا حسنا اى وضوأ حسنا ومنه قوله عليه السلام ( لا صلاة الا بالطهور ) قال في فتح الرحمن الطهور هو الباقي على أصل خلقته من ماء المطر والبحر والعيون والآبار على أي صفة كان من عذوبة وملوحة وحرارة وبرودة وغيرها وما تغير بمكثه أو بطاهر لا يمكن صونه عنه كالتراب والطحلب وورق الشجر ونحوها فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره يرفع الأحداث ويزيل الأنجاس بالاتفاق قال تغير عن أصل خلقته بطاهر يغلب على اجزائه ما يستغنى عنه الماء غالبا لم يجز التطهير به عد الثلاثة وجوز أبو حنيفة رحمه اللّه الوضوء بالماء المتغير بالزعفران ونحوه من الطاهرات ما لم تزل رقته وقال أيضا يجوز إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد ونحوهما وخالفه الثلاثة ومحمد بن الحسن وزفر كما فصل في الفقه ثم في توصيف الماء بالطهور مع أن وصف الطهارة لا دخل له في ترتيب الاحياء والسقي على إنزال الماء إشعار بالنعمة فيه لان وصف الطهارة نعمة زائدة على إنزال ذات الماء وتتميم للمنة المستفادة من قوله لنحيى به ونسقيه فان الماء الطهور اهنأ وانفع مما خالطه ما يزيل طهوريته وتنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي ان يطهروها كانت بواطنهم بذلك أولى لأن باطن الشيء أولى بالحفظ عن التلوث من ظاهره وذلك لان منظر الحق هو باطن الإنسان لا ظاهره والتطهير مطلقا سبب لتوسع الرزق كما قال عليه السلام ( دم على الطهارة يوسع عليك الرزق ) والماء الذي هو سبب الرزق الصوري طاهر ومطهر فينبغي لطالبه ان يكون دائما على الطهارة الظاهرة فإنها الجالبة له واما الطهارة الباطنة فجالبة للرزق المعنوي وهو ما يكون غذاء للروح من العلو والفيوض لِنُحْيِيَ بِهِ اى بما أنزلنا من السماء من الماء الطهور وهو تعليل للانزال بَلْدَةً مَيْتاً لا أشجار فيها ولا أثمار ولا مرعى واحياؤها بانبات النبات والمراد القطعة من الأرض عامرة كانت أو غيرها : وبالفارسية [ شهري مرده يعنى موضعي كه در خشك سال بوده يا مكاني را كه در زمستان خشك وافسرده كشت ] والتذكير حيث لم يقل بلدة ميتة لأنه بمعنى البلد أو الموضع والمكان ولأنه غير جار على الفعل بان يكون على صيغة اسم الفاعل أو المفعول فاجرى مجرى الجامد وَنُسْقِيَهُ اى ذلك الماء الطهور عند جريانه في الأودية اى اجتماعه في الحياض أو المنابع والآبار : وبالفارسية [ وبياشامانيم ان أب ] وسقى وأسقي لغتان بمعنى يقال سقاه اللّه الغيث وأسقي والاسم السقيا قال الامام الراغب السقي والسقيا ان تعطيه ماء ليشربه والاسقاء ان تجعل له ذلك حتى يتناوله كيف يشاء والاسقاء أبلغ من السقي لان الاسقاء هو ان تجعل له ماء يستقى منه ويشرب كقوله أسقيته نهرا . فالمعنى مكناهم من أن يشربوه ويسقوا منه أنعامهم مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً متعلق بقوله نسقيه اى نسقى ذلك الماء بعض خلقنا من الانعام والاناسىّ وانتصابها على البدل من محل الجار والمجرور في قوله مما خلقنا