الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
209
تفسير روح البيان
اى التوراة والإنجيل والزبور حال من القرآن إذ هي في معنى مجتمعا وهذا اعتراض حيرة وبهت لا طائل تحته لان الاعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقا وقد تحدّوا بسورة واحدة فعجزوا عن ذلك حتى اخلدوا إلى بذل المهج والأموال دون الإتيان بها مع أن للتفريق فوائد منها ما أشار اليه بقوله كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ محل الكاف النصب على أنها صفة لمصدر مؤكد معلل بما بعده وذلك إشارة إلى ما يفهم من كلامهم اى مثل ذلك التنزيل المفرق الذي قدحوا فيه نزلناه لا تنزيلا مغايرا له لنقوّى بذلك التنزيل المفرق فؤادك اى قلبك فان فيه تيسيرا لحفظ النظم وفهم المعنى وضبط الاحكام والعمل بها ألا ترى ان التوراة أنزلت دفعة فشق العمل على بني إسرائيل ولأنه كلما نزل عليه وحي جديد في كل امر وحادثة ازداد هو قوة قلب وبصيرة وبالجملة إنزال القرآن منجما فضيلة خص بها نبينا عليه السلام من بين سائر النبيين فان المقصود من انزاله ان يتخلق قلبه المنير بخلق القرآن ويتقوى بنوره ويتغذى بحقائقه وعلومه وهذه الفوائد انما تكمل بانزاله مفرقا ألا يرى أن الماء لو نزل من السماء جملة واحدة لما كانت تربية الزروع به مثلها إذا نزل مفرقا إلى أن يستوى الزرع وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا عطف على ذلك المضمر . والترتيل التفريق ومجيئ الكلمة بعد الأخرى بسكوت يسير دون قطع النفس وأصله في الأسنان وهو تفريجها . والمعنى كذلك نزلناه وقرأناه عليك شيأ بعد شئ على تؤدة وتمهل في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ اى بسؤال عجيب وكلام غريب كأنه مثل في البطلان يريدون به القدح في حقك وحق القرآن . والمعنى بالفارسية [ ونمىآرند مشركان عرب براي تو يا محمد مثلي يعنى در بيان قدح نبوت وطعن كتاب تو سخن نمىكويند ] إِلَّا جِئْناكَ في مقابلته : وبالفارسية [ مكر آنكه ما مىآريم براي تو ] فالباء في قوله بِالْحَقِّ للتعدية أيضا اى بالجواب الحق الثابت المبطل لما جاؤوا به القاطع لمادة القيل والقال وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً عطف على الحق . والتفسير تفعيل من الفسر وهو كشف ما غطى . والمعنى وبما هو أحسن بيانا وتفصيلا لما هو الحق والصواب ومقتضى الحكمة بمعنى انه في غاية ما يكون من الحسن في حد ذاته لا ان ما يأتون به له حسن في الجملة وهذا أحسن منه لان سؤالهم مثل في البطلان فكيف يصح له حسن اللهم الا ان يكون بزعمهم يعنى لما كان السؤال حسنا بزعمهم قيل الجواب أحسن من السؤال والاستثناء مفرغ محله النصب على الحالية اى لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال الا حال إتياننا إياك الحق الذي لا محيد عنه وهذا بعبارته ناطق ببطلان جميع الأسئلة وبصحة جميع الأجوبة وبإشارته منبئ عن بطلان السؤال الأخير وصحة جوابه إذ لولا ان التنزيل على التدريج لما أمكن ابطال تلك الاقتراحات الشنيعة أو يقال كل نبي إذا قال له قومه قولا كان النبي هو الذي يرد عليهم واما النبي عليه السلام إذا قالوا له شيأ فاللّه يرد عليهم الَّذِينَ اى هم الذين يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ اى يحشرون كائنين على وجوههم يسحبون عليها ويجرّون إلى جهنم : يعنى [ روى بر زمين نهاده ميروند بسوى دوزخ ] وفي الحديث ( يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف صنف على الدواب وصنف على