الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

191

تفسير روح البيان

الحديث ( القرآن كلام اللّه تعالى غير مخلوق فمن قال بكونه مخلوقا فقد كفر بالذي أنزله ) نسأل اللّه العصمة والحفظ من الإلحاد وسوء الاعتقاد ثم اعلم أن من الأمور اللازمة تعليم الجهلاء ورد الملاحدة والمبتدعة فإنه كوضع الدواء على جراحة المجروح أو كقتل الباغي المضر وردهم بالأجوبة القاطعة مما لا يخالف الشريعة والطريقة ألا ترى ان اللّه تعالى امر حبيبه عليه السلام بالجواب للطاعنين في القرآن وقد أجاب السلف عمن أطال على القرآن وذهب على حدوثه ومخلوقيته وكتبوا رسائل وكذا علماء كل عصر جاهدوا المخالفين بما أمكن من المعارضة حتى ألقموهم الحجر وأفحموهم وخلصوا الناس من شبهاتهم وشكوكهم وفي الحديث ( من انتهر ) اى منع ( بكلام غليظ صاحب بدعة سيئة مما هو عليه من سوء الاعتقاد والفحش من القول والعمل ملأ اللّه تعالى قلبه أمنا وايمانا ومن أهان صاحب بدعة آمنه اللّه تعالى يوم القيامة من الفزع الأكبر ) اى النفخة الأخيرة التي تفزع الخلائق عندها أو الانصراف إلى النار أو حين يطبق على النار أو يذبح الموت واطلق الامن في صورة الانتهار والمراد الا من في الدنيا مما يخاف خصوصا من مكر من انتهره ويدل عليه ما بعده وهو الايمان فإنه من مكاسب الدنيا نسأل اللّه الامن والأمان وكمال الايمان والقيام بأوامره والاتعاظ بمواعظه وزواجره وَقالُوا اى المشركون من اشراف قريش كأبى جهل وعتبة وأمية وعاص وأمثالهم وذلك حين اجتماعهم عند ظهر الكعبة ما استفهامية بمعنى انكار الوقوع ونفيه مرفوعة على الابتداء خبرها قوله لِهذَا الرَّسُولِ وجدت اللام مفصولة عن الهاء في المصحف واتباعه سنة وفي هذا تصغير لشأنه عليه السلام وتسميته رسولا بطريق الاستهزاء اى أي سبب حصل لهذا الذي يدعى الرسالة حال كونه يَأْكُلُ الطَّعامَ كما نأكل والطعام ما يتناول من الغذاء وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لطلب المعاش كما نمشى جمع سوق وهو الموضع الذي يجلب اليه المتاع للبيع ويساق أنكروا ان يكون الرسول بصفة البشر يعنى ان صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا قال بعضهم ليس بملك ولا ملك وذلك لان الملائكة لا يأكلون ولا يشربون والملوك لا يتسوفون ولا يبتذلون فعجبوا ان يكون مثلهم في الحال ولا يمتاز من بينهم بعلو المحل والجلال لعدم بصيرتهم وقصور نظرهم على المحسوسات فان تمييز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية وانما هو بأحوال نفسانية فالبشرية مركب الصورة والصورة مركب القلب والقلب مركب العقل والعقل مركب الروح والروح مركب المعرفة والمعرفة قوة قدسية صدرت عن كشف عين الحق قال الكاشفي [ ندانستند كه نبوت منافى بشريت نيست بلكه مقتضى آنست تا تناسب وتجانس كه سبب أفاده واستفاده است بحصول پيوندد ] جنس بايد تا در آميزد بهم وفي التأويلات النجمية يشير إلى أن الكفار صم بكم عمى فهم لا يعقلون لأنهم نظروا إلى الرسول بنظر الحواس الحيوانية وهم بمعزل من الحواس الروحانية والربانية فما رأوا منه الا ما يرى من الحيوان وما رأوه بنظر يرى به النبوة والرسالة ليعرفوه انه ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين فلهذا قال تعالى ( وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ