الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

187

تفسير روح البيان

عَلِيمٌ ) اى بكل شئ من مكافأة الخير ومجازاة الشر عليم بالنقير والقطمير مما عملوا من الصغير والكبير انتهى واعلم أن التعلق بكل من نعيم الدنيا ونعيم الآخرة حرام على أهل اللّه تعالى نعم ان أهل اللّه يحبون الآخر بمعنى ان الآخرة في الحقيقة هو الآخر بالكسر وهو اللّه تعالى قال بعض أهل الحقيقة ما ألهاك عن مولاك فهو دنياك . فعلى العاقل ان يقطع حبل العلاقات ويتصل بسر تجرد الذات والصفات ويتفكر في امره ويحاسب نفسه قبل ان يجيئ يوم الجزاء والمكافاة فان عقب هذه الحياة مماة وهذا البقاء ليس على الدوام والثبات وفي الحديث ( ما قال الناس لقوم طوبى لكم الا وقد خبأ لهم الدهر يوم سوء ) قال الشاعر ان الليالي لم تحسن إلى أحد * الا أساءت اليه بعد احسان وقال آخر أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت * ولم تخف شر ما يأتي به القدر وقال آخر لا صحة المرء في الدنيا تؤخره * ولا يقدم يوما موته الوجع ( وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) من يوم الموت والرجوع اختيارا واضطرارا وغير ذلك من الأمور سرا وجهرا فطوبى لمن شاهد ولاحظ هذا الأمر وختم بالخوف والمراقبة الوقت والعمر تمت سورة النور يوم السبت الثالث من شهر اللّه رجب من سنة ثمان ومائة والف تفسير سورة الفرقان مكية آيها سبع وسبعون في قول الجمهور بسم الله الرحمن الرحيم تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ اى تكاثر خير الذي إلخ فالمضاف محذوف من البركة وهي كثرة الخير وترتيبه على تنزيل الفرقان لما فيه من كثرة الخير دينيا ودنيويا أو معناه تزايد على كل شئ وتعالى عنه في صفاته وأفعاله فان البركة تتضمن معنى الزيادة فترتيبه عليه لدلالته على تعاليه قال المولى الفناري في تفسير الفاتحة يروى ان الصاحب ابن عباد كان يتردد في معنى الرقيم وتبارك والمتاع ويدور على قبائل العرب فسمع امرأة تسأل اين المتاع ويجيب ابنها الصغير بقوله جاء الرقيم وأخذ المتاع وتبارك الجبل فاستفسر عنهم وعرف ان الرقيم الكلب وان المتاع هو ما يبل بالماء فيمسح به القصاع وان تبارك بمعنى صعد وقال بعضهم البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء وسمى محبس الماء بركة لدوام الماء فيها وثبوته . فمعنى تبارك دام دواما ثابتا لا انتقال له ولهذا لا يقال له يتبارك مضارعا لأنه للانتقال قال في برهان القرآن هذه لفظة لا تستعمل الا للّه ولا تستعمل الا بلفظ الماضي وخص هذا الموضع بالذكر لان ما بعده امر عظيم وهو القرآن المشتمل على معاني جميع كتب اللّه . والفرقان مصدر فرق بين الشيئين اى فصل وسمى به القرآن لغاية فرقه بين الحق والباطل والمؤمن والكافر عَلى عَبْدِهِ الأخلص ونبيه الأخص وحبيبه الأعلى وصفيه الأولى محمد المصطفى