الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
169
تفسير روح البيان
هو دين اللّه وطريقه إلى رضاه وجنته وفي التأويلات النجمية اخبر عن سيرة هذه الدواب التي خلقت من الماء فقال ( فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ) يعنى سيرته في مشيه ان يضيع عمره في تحصيل شهوات بطنه ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ) اى يضيع عمره في تحصيل شهوات فرجه فان كل حيوان إذا قصد قضاء شهوته يمشى على رجلين عند المباشرة وان كان له اربع قوائم وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ اى يضيع عمره في طلب الجاه لان أكثر طالبى الجاه يمشى راكبا على مركوب له اربع قوائم كالخيل والبغال والحمير كما قال تعالى ( وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ) من أنواع المخلوقات على مقتضى حكمته ومشيئته الأزلية لما يشاء كما يشاء إظهارا للقدرة ليعلم ان اللّه على خلق كل نوع من أنواع المخلوقات والمقدورات قادر - ومن اخبار الرشيد - انه خرج يوما للصيد فأرسل بازيا اشهب فلم يزل يعلو حتى غاب في الهواء ثم رجع بعد اليأس منه ومعه سمكة فاحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك فقال مقاتل يا أمير المؤمنين روينا عن جدك ابن عباس رضى اللّه عنهما ان الهواء معمور بامم مختلفة الخلق سكان فيه وفيه دواب تبيض وتفرخ فيه شيأ على هيئة السمك لها أجنحة ليست بذات ريش فأجاز مقاتلا على ذلك وأكرمه ( لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ ) اى أنزلنا القرآن مبينات آياته ما خلقنا من كل نوع من أنواع الإنسان المذكورة أوصافهم ولكنهم لو وكلوا إلى ما جبلوا عليه لما كانوا يهتدون الا إلى هذه الأوصاف التي جبلوا عليها ولا يهتدون إلى صراط مستقيم هو صراط اللّه بإرادتهم ومشيئتهم ( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) يصل به إلى الحضرة بمشيئة اللّه وإرادته الأزلية نسأل اللّه الهداية إلى سواء الطريق والتوفيق لجادة التحقيق وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ نزلت في بشر المنافق خاصم يهوديا في ارض فدعاه إلى كعب بن الأشرف من أحبار اليهود ودعاه اليهودي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فصيغة الجمع للايذان بان للقائل طائفة يساعدونه ويتابعونه في تلك المقالة كما يقال بنوا فلان قتلوا فلانا والقاتل منهم واحد وَأَطَعْنا اى أطعناهما في الأمر والنهى والإطاعة فعل يعمل بالأمر لا غير لأنها الانقياد وهو لا يتصور الا بعد الأمر بخلاف العبادة وغيرها ثُمَّ يَتَوَلَّى يعرض عن قبول حكمه قال الامام الراغب تولى إذا عدى بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع وإذا عدى بعن لفظا أو تقديرا اقتضى معنى الاعراض وترك القرب فان الولي القرب والتولي قد يكون بالجسم وقد يكون بترك الإصغاء والائتمار وثم يجوز ان يكون للتراخى الزماني وان يكون لاستبعاد امر التولي عن قولهم آمنا وأطعنا فَرِيقٌ مِنْهُمْ اى من القائلين قال في المفردات الفرق القطعة المنفصلة ومنه الفرقة للجماعة المنفردة من الناس والفريق الجماعة المنفردة عن آخرين مِنْ بَعْدِ ذلِكَ القول المذكور وَما أُولئِكَ إشارة إلى القائلين فان نفى الايمان عنهم مقتض لنفيه عن الفريق المتولى بخلاف العكس اى وما أولئك الذين يدعون الايمان والإطاعة ثم يتولى بعضهم الذين يشاركونهم في الاعتقاد والعمل بِالْمُؤْمِنِينَ حقيقة كما يعرب عنه اللام اى ليسوا بالمؤمنين المعهودين بالإخلاص في الايمان والثبات عليه وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ اى الرسول