الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

165

تفسير روح البيان

شئ ملكوتا هو قائم به وقيام الملكوت بيده تعالى كما قال ( فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) وعالم الملكوت هو الحياة المحض والعلم كما قال ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ ) والملكوت هو عالم الأرواح فلكل شئ روح منه بحسب استعداده لقابلية الروح فخلق الإنسان في أحسن تقويم لقابلية الروح الأعظم فلهذا صار كاملهم أفضل المخلوقات وأكرمها فهو يعلم خصوصية صلاته وتسبيحه على قدر حظه من عالم الملكوت بل على قدر حظه من عالم الربوبية وهو متفرد به عما دونه والملك يعلم صلاته وتسبيحه على قدر حظه من عالم الملكوت والحيوانات والجمادات تعلم صلاتها وتسبيحها بملكوتها بلا شعور منها بالصورة ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ) اى بحقيقته بالكمال وهم يعلمون بحسب استعدادهم انتهى ما في التأويلات وهذا لا ينفى نطق الجمادات عند إنطاق اللّه تعالى وكذا نطق الحيوانات العجم بطريق خرق العادة أو بطريق لا يسمعه ولا يفهمه الا أهل الكشف والعيان كما سبق أمثلته في سورة الإسراء نسأل اللّه سبحانه وتعالى ان يجعلنا ممن لا يمضى نفسه الا بذكر شريف ولا يمر وقته الا بحال لطيف انه الفياض الوهاب الجواد أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً الإزجاء سوق الشيء برفق وسهولة لينساق غلب في سوق شئ يسير أو غير معتد به ومنه البضاعة المزجاة فإنها يزجيها كل أحد ويدفعها لقلة الاعتداد بها . ففيه ايماء إلى أن السحاب بالنسبة إلى قدرته تعالى مما لا يعتد به ويسمى السحاب سحابا لانسحابه في الهواء اى انجراره وهو اسم جنس يصح إطلاقه على سحابة واحدة وما فوقها والمراد هاهنا قطع السحاب بقرينة إضافة بين إلى ضميره فإنه لا يضاف الا إلى متعدد . والمعنى قد رأيت رؤية بصرية ان اللّه يسوق غيما إلى حيث يريد ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ اى بين اجزائه بضم بعضها إلى بعض فيجعله شيأ واحدا ابعد ان كان قطعا ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً اى متراكما بعضه فوق بعض فإنه إذا اجتمع شئ فوق شئ فهو ركوم مجتمع قال في المفردات يقال سحاب مركوم اى متراكم والركام ما يلقى بعضه على بعض فَتَرَى الْوَدْقَ اى المطر اثر تكاثفه وتراكمه قال أبو الليث الودق المطر كله شديده وهينه وفي المفردات الودق قيل ما يكون خلال المطر كأنه غبار وقد يعبر به عن المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ حال من الودق لان الرؤية بصرية والخلال جمع خلل كجبال وجبل وهو فرجة بين الشيئين والمراد هاهنا مخارج القطر . والمعنى حال كون ذلك الودق يخرج من أثناء ذلك السحاب وفتوقه التي حدثت بالتراكم وانعصار بعضه من بعض قال كعب السحاب غربال المطر ولولاه لافسد المطر ما يقع عليه وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ اى من الغمام فان كل ما علاك سماء وسماء كل شئ أعلاه مِنْ جِبالٍ اى من قطع عظام تشبه الجبال في العظم كائنة فِيها اى في السماء فان السماء من المؤنثات السماعية مِنْ بَرَدٍ مفعول ينزل على أن من تبعيضية والأوليان لابتداء الغاية على أن الثانية بدل اشتمال من الأولى بإعادة الجار والبرد محركه الماء المنعقد اى ما يبرد من المطر في الهواء فيصلب كما في المفردات . والمعنى ينزل اللّه مبتدئا من السماء من جبال فيها بعض برد قال بعضهم ان اللّه تعالى خلق جبالا كثيرة في السماء من البرد والثلج ووكل بها ملكا