الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

148

تفسير روح البيان

هذه الآية ( إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ ) إلخ فلما لم يكن من أهلها قلت لعله من أهل آية أخرى ( وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ) قال بعضهم ربما كان النكاح واجب الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة وفي الحديث ( يأتي على الناس زمان لا ينال فيه المعيشة الا بالمعصية فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة ) وفي الحديث ( إذا اتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزوبة والترهب على رؤس الجبال ) كما في تفسير الكواشي قال أمير المؤمنين على كرم اللّه وجهه إذا نفد عدد حروف بسم اللّه الرحمن الرحيم فإنه يكون أوان خروج المهدى من بطن أمه وقد نظم حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر هذا المعنى في بيتين بقوله إذا نفد الزمان على حروف * ببسم اللّه فالمهدى قاما ودورات الخروج عقيب صوم * الا بلغه من عندي سلاما ولولا الحسد لظهر سر العدد انتهى يقول الفقير ان اعتبر كل راء مكررا لان من صفتها التكرار يبلغ حساب الحروف إلى الف ومائة وستة وثمانين فالظاهر من حديث الكواشي ان المراد مائة وثمانون بعد الألف وعليه قوله عليه السلام ( خيركم بعد المائتين خفيف الحاذ ) قالوا ما خفيف الحاذ يا رسول اللّه قال ( الذي لا أهل له ولا ولد ) وفي التأويلات النجمية ( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ) يشير إلى المريدين الطالبين وهم محرومون من خدمة شيخ يتصرف فيهم ليودع في أرحام قلوبهم النطفة من صلب الولاية فندبهم إلى طلب شيخ من الرجل البالغين الواصلين الذين بهم تحصل الولادة الثانية في عالم الغيب بالمعنى وهو طفل الولاية كما أن ولادتهم أولى حصلت في عالم الشهادة بالصورة ليكون ولوجهم في الملكوت كما أن عيسى عليه السلام قال لم يلج ملكوت السماوات والأرض من لم يولد مرتين والنشأة الأخرى عبارة عن الولادة الثانية والعبد في هذا المقام أمن من رجوعه إلى الكفر والموت اما امنه من الكفر فبقوله تعالى ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ) يعنى إذ كنتم نطفة ( فَأَحْياكُمْ ) بالولادة الأولى ( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) بموت الإرادة ( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) بالولادة الثانية ( ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) بجذبة ( ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً ) واما امنه من الموت فبقوله تعالى ( أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً ) يعنى بالإرادة من الصفات النفسانية الحيوانية ( فَأَحْيَيْناهُ ) بنور الربوبية ( وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) اى بنور اللّه فهو حي بحياة اللّه لا يموت ابدا بل ينقل من دار إلى دار ( إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ ) معدومى استعداد قبول الفيض الإلهي ( يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) بان يجعلهم مستعدى قبول الفيض فان الطريق من العبد إلى اللّه مسدود وانما الطريق من اللّه إلى العبد مفتوح بأنه تعالى هو الفتاح وبيده المفتاح ( وَاللَّهُ واسِعٌ ) الأرحام القلوب لتستعد لقبول فيضه ( عَلِيمٌ ) بايصاله الفيض إليها انتهى ( وَلْيَسْتَعْفِفِ ) ارشاد للعاجزين عن مبادى النكاح وأسبابه إلى ما هو أولى لهم وأحرى بهم بعد بيان جواز مناكحة الفقراء والعفة حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة والمتعفف المتعاطى لذلك بضرب من الممارسة والقهر والاستعفاف طلب العفة . والمعنى ليجتهد في العفة وقمع الشهوة الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً اى أسباب نكاح من مهر ونفقة فإنه لا معنى لوجدان نفس العقد والتزوج وذلك بالصوم كما قال عليه السلام ( ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) معناه ان الصوم يضعف شهوته ويقهرها عن طلب الجماع