الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
123
تفسير روح البيان
فسرنا فلما دنونا من المدينة قافلين اى راجعين نزلنا منزلا ثم نزلت من الرحل فقمت ومشيت لقضاء الحاجة حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار كقطام وهي بلد باليمن قرب صنعاء اليه نسبة الجزع وهو بالفتح وسكون الزاي المعجمة الخرز اليماني فيه سواد وبياض يشبه به الأعين كما في القاموس كان يساوى اثنى عشر درهما قد انقطع فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه واقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي بتخفيف الحاء اى يجعلون هودجها على الرحل وهو أبو مويهبة مولى رسول اللّه وكان رجلا صالحا مع جماعة معه فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون انى فيه بخفتى وكان النساء إذ ذاك خفافا لقلة أكلهن اى لان السمن وكثرة اللحم غالبا تنشأ عن كثرة الاكل كما في انسان العيون فلم يستنكروا خفة الهودج حين رفعوه وذهبوا بالبعير فوجدت عقدي فجئت منازلهم وليس فيها أحد وأقمت بمنزلي الذي كنت فيه وظننت انهم سيفقدوننى فيرجعون في طلبي فبينا انا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى خلف الجيش قال القرطبي وكان صاحب ساقة رسول اللّه لشجاعته وكان من خيار الصحابة انتهى كان يسوق الجيش ويلتقط ما يسقط من المتاع كما في الإنسان فأصبح عند منزلي فرأى سوادا اى شخص انسان نائم فاتانى فعرفني فاستيقظت باسترجاعه اى بقوله انا للّه وانا اليه راجعون اى لان تخلف أم المؤمنين عن الرفقة في مضيقة مصيبة اى مصيبة فخمرت وجهي في جلبابى وهو ثوب اقصر من الخمار ويقال له المقنعة تغطي به المرأة رأسها واللّه ما تكلمت بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه اى لأنه استعمل الصمت أدبا وهوى حتى أناخ راحلته فقمت إليها فركبتها وانطلق يقود بي الراحلة حتى اتينا الجيش في بحر الظهيرة اى وسطها وهو بلوغ الشمس منتهاها من الارتفاع وهم نازلون وبهذه الواقعة استدل بعض الفقهاء على أنه يجوز الخلوة بالمرأة الأجنبية إذا وجدها منقطعة ببرية أو نحوها بل يجب استصحابها إذا خاف عليها لو تركها وفي معاني الآثار للطحاوي قال أبو حنيفة وكان الناس لعائشة محرما فمع أبهم سافرت فقد سافرت مع محرم وليس غيرها من النساء كذلك انتهى يقول الفقير لعل مراد الامام رحمه اللّه تعالى ان أزواج النبي عليه السلام وان كان كلهن محارم للأمة لأنه تعالى قال ( وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ) وحرم عليهم نكاحهن كما قال ( وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ) الا ان عائشة كانت أفضل نسائه بعد خديجة وأقربهن منه من حيث خلافتها عنه في باب الدين ولذا قال ( خذوا ثلثي دينكم عن عائشة ) فتأكدت الحرمة من هذه الجهة إذ لا بد لاخذ الدين من الاستصحاب للسفر والحضر واللّه اعلم قالت فلما نزلنا هلك في من هلك بقول البهتان والافتراء وكان أول من اشاعه في المعسكر عبد اللّه بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين فإنه كان ينزل مع جماعة المنافقين متبعدين من الناس فمرت عليهم فقال من هذه قالوا عائشة وصفوان فقال فجر بها ورب الكعبة فافشوه وخاض أهل المعسكر فيه فجعل يرويه بعضهم عن بعض ويحدث به بعضهم بعضا قالت فقدمنا المدينة فاشتكيت اى مرضت حين قدمت شهرا ووصل الخبر إلى رسول اللّه وإلى ابوىّ ولا أشعر بشئ من ذلك غير أنه يرينى ان لا اعرف من رسول اللّه العطف